ترجمة وتقديم: إسكندر حبش
كاتب ومترجم لبناني
هذا نص لم يترجم سابقًا للكاتب الفرنسي، التشيكي الأصل، ميلان كونديرا كان نشره في العام 1983 في مجلة “لو ديبا” (عدد رقم 27) التي كان يرأس تحريرها الأكاديمي والمؤرخ بيير نورا. وقد أعيد نشره في العام 2021 في كتاب يحمل العنوان عينه عن منشورات غاليمار، وقد مهد له نورا، بكلمة نترجمها بدورها.
كونديرا الذي لم يتوقف يوما، عن الحديث والكتابة عن الحلم الأوروبي، يقدم في نصه هذا مفهومه للرؤية الأوروبية -ثقافيا واجتماعيا وسياسيا- وهو الذي كان يرفض تسمية “أوروبا الشرقية” التي تذكر بالحقبة السوفييتية، بل ينحو إلى تسمية “أوروبا الوسطى” التي تجد امتدادها في التاريخ، وتجد ثقافتها في العديد من الكتاب الذين دافعوا عنها، حتى قبل أن يتبلور هذا المفهوم.
نصٌ على درجة كبيرة من الأهمية، لأنه يتيح لنا الدخول عميقا إلى رأي الكاتب الذي شكل رؤيا حادة، ليس في مفهوم الرواية فقط، بل أيضا في مفهوم السياسة والثقافة والاجتماع.
تمهيد بيير نورا
نُشرت هذه المقالة في مجلة “لو ديبا” (Le Débat)، في شهر تشرين الثاني من العام 1983 (عدد رقم 27)، وسرعان ما تُرجمت إلى غالبية اللغات الأوروبية، وكان لها تأثير لا علاقة له بإيجازها. عشرون صفحة أثارت في الشرق موجة من ردود الفعل والمناقشات والجدل في ألمانيا وروسيا. مثلما ساهمت في الغرب، حسب تعبير جاك روبنيك، “في إعادة تشكيل الخريطة الذهنية لأوروبا” قبل العام 1989.. ما الذي كان متفجرًا في هذه الصفحات؟
في الوقت الذي لم يكن فيه الغرب ينظر إلى أوروبا الوسطى إلا بكونها جزءا من الكتلة الشرقية، لا أكثر، ذكّرها كونديرا بشدّة أن ثقافتها تنتمي بالكامل إلى الغرب وأنه إذا كانت هذه “الدول الصغيرة” غير متأكدة من حالة وجودها التاريخي والسياسي (بولندا، المجر، تشيكوسلوفاكيا)، إلا أن الثقافة كانت ولا تزال ملاذًا لهويتها.
كونديرا، الذي تميز تكوينه الشخصي بعملية تجديد الفنون والأدب والسينما في الستينيات في تشيكوسلوفاكيا، رأى في حيوية الثقافة هذه طريقة لإعداد ربيع براغ. ثقافة لم تكن من اختصاص النخب، بل هي القيمة الحيّة التي يتجمع حولها الناس. وسع تفكيره ليشمل التراث الثقافي لأوروبا الوسطى بأكملها، مع ثورة المجر “العظيمة” في عام 1956، وثورات بولندا في 1956 و1968 و1970. “أوروبا الوسطى، أقصى قدر من التنوع في الحدّ الأدنى من المكان”.
تقترن دراما أوروبا الوسطى بأحداث الغرب الذي لا يريد رؤيتها ولم يلاحظ اختفاءها؛ الذي لا يقيس نطاقها، لأنه لم يعد يفكر هو نفسه في بُعده الثقافي. لقد استقرّت وحدته في العصور الوسطى على المسيحية، ثم في العصر الحديث على عصر التنوير. لكن اليوم؟ يتم استبداله بثقافة ترفيهية مرتبطة بالأسواق وتقنيات المعلومات. إذن ما معنى المشروع الأوروبي؟
لا تأتي قيمة النص من قوته البرهانية فحسب، بل تأتي من الصوت الشخصي والمؤلم للمؤلف، الذي فرض نفسه في ذلك الوقت كواحد من أعظم الكتاب الأوروبيين.
لعبت [مقالة] “غرب مختطف” دورًا حاسمًا في تشكيل المثقفين الفرنسيين مثل آلان فينكيلكراوت، في دفاعه عن “الأمم الصغيرة” أثناء حرب يوغوسلافيا، في كتابه “هزيمة الفكر “La Défaite de la Pensée” في عام 1987، وفي العام نفسه، عند إنشائه مجلة، Le Messager européen. وبطريقة أكثر مكرًا، هيأت العقول لتوسيع أوروبا إلى دول الشرق. من يدري ما إذا كان تأثيرها المنتشر لم ينشط بعد في تحديد بلدان أوروبا الوسطى لتظلّ وفيّة لتراثها التاريخي وهويتها الثقافية؟
نص ميلان كونديرا
1
في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1956، أرسل مدير “وكالة الأنباء المجرية”، قبل دقائق من تدمير المدفعية لمكتبه، برقية يائسة حول العالم تحمل رسالة حول الهجوم الروسي، الذي انطلق صبيحة ذلك اليوم ضد بودابست. تنتهي الرسالة بهذه الكلمات: “سنموت من أجل المجر وأوروبا”.
ما الذي تعنيه هذه الجملة؟ كانت ترغب بالطبع في أن تقول إن الدبابات الروسية كانت تهدد المجر ومعها أوروبا. ولكن بأي معنى كانت أوروبا في خطر؟ هل كانت الدبابات الروسية مستعدة لعبور الحدود المجرية باتجاه الغرب؟ لا. أراد مدير وكالة الأنباء المجرية أن يقول إن أوروبا مستهدفة في المجر نفسها. كان على استعداد للموت حتى تظلّ المجر هنغاريا وتبقى أوروبا.
حتى لو بدا معنى الجملة واضحًا، فإنه لا يزال يثير اهتمامنا. في الواقع، هنا، في فرنسا، في أمريكا، اعتدنا على التفكير في أن ما كان على المحك آنذاك لم يكن المجر ولا أوروبا بل هو النظام السياسي. لم يُقل أبدًا إن المجر، على هذا النحو، هي التي تعرضت للتهديد؛ لذا نفهم بشكل أقلّ سبب مواجهة المجر بفاصلات موتها الخاصة في أوروبا. هل يدعي سولجينتسين، عندما يندد بالقمع الشيوعي، أوروبا كقيمة أساسية تستحق الموت من أجلها؟
لا، “أن تموت من أجل وطنك ومن أجل أوروبا” هي عبارة لا يمكن التفكير بها سواء في موسكو أو لينينغراد، ولكن على وجه التحديد في بودابست أو وارسو.
2
في الواقع، ما هي أوروبا بالنسبة إلى المجري والتشيكي والبولندي؟ منذ البداية، كانت هذه الدول تنتمي إلى الجزء الأوروبي المتجذر في المسيحية الرومانية (من روما). لقد شاركت في جميع مراحل تاريخها. لا تمثل كلمة “أوروبا” بالنسبة إليها ظاهرة جغرافية، بل تمثل مفهومًا روحيًا مرادفًا لكلمة “غرب”. في الوقت الذي لم تعد فيه المجر أوروبا، أي الغرب، تمّ إخراجها إلى ما وراء مصيرها، إلى ما وراء تاريخها. لقد فقدت جوهر هويتها.
تمّ تقسيم أوروبا الجغرافية (تلك التي تمتد من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال) دائمًا إلى نصفين تطورا بشكل منفصل: أحدهما مرتبط بروما القديمة والكنيسة الكاثوليكية (علامة خاصة: الأبجدية اللاتينية)؛ والآخر متجذر في بيزنطة وفي الكنيسة الأرثوذكسية (علامة خاصة: الأبجدية السيريلية). بعد العام 1945، انتقلت الحدود بين هاتين الأوروبتين بضع مئات من الكيلومترات إلى الغرب، واستيقظت بعض الدول التي كانت تعتبر نفسها دائمًا غربية في يوم من الأيام ووجدت أنها في الشرق.
نتيجة لذلك، بعد الحرب، تشكلت ثلاثة مواقف أساسية في أوروبا: حالة أوروبا الغربية، وأوروبا الشرقية، وتلك الأكثر تعقيدًا، من هذا الجزء من أوروبا الواقع جغرافيًا في الوسط، وثقافيًا في الغرب وسياسيًا في الشرق.
هذا الوضع المتناقض لأوروبا الذي أسميه مركزيًا يمكن له أن يجعلنا نفهم سبب تمركز الدراما الأوروبية، هنا، لمدة خمسة وثلاثين عامًا: الثورة المجرية العظيمة في العام 1956 ومع ما أعقبها من مجزرة دموية؛ ربيع براغ واحتلال تشيكوسلوفاكيا العام 1968؛ الثورات البولندية في أعوام 1956 و1968 و1970 وثورات السنوات الأخيرة [ثورات ثمانينيات القرن الماضي التي قادها فاونيسا المترجم]. لا يمكن مقارنة أي شيء يحدث في أوروبا الجغرافية، سواء في الغرب أو في الشرق، بهذه السلسلة من ثورات وسط أوروبا(1)، لا في محتواه الدرامي ولا في أهميته التاريخية. تمّ دعم كلّ من هذه الثورات من قبل جميع الناس تقريبًا. فلو لم تكن مدعومة من قبل روسيا، لما كانت الأنظمة هناك لتقاوم أكثر من ثلاث ساعات. وهذا يعني، أنه لا يمكن اعتبار ما كان يحدث في براغ أو وارسو في جوهره على أنه دراما أوروبا الشرقية، والكتلة السوفييتية، والشيوعية، ولكن بالضبط مثل دراما أوروبا الوسطى.
في الواقع، فإن مثل هذه الثورات، التي يدعمها جميع السكان، لا يمكن تصورها في روسيا. ولكن أيضا لا يمكن تصورها حتى في بلغاريا، البلد الذي -كما يعلم الجميع- هو الجزء الأكثر استقرارًا في الكتلة الشيوعية. لماذا؟ لأن بلغاريا كانت منذ نشأتها جزءًا من حضارة الشرق، وذلك بفضل الديانة الأرثوذكسية، التي كان مبشروها الأوائل من البلغار. وبالتالي فإن عواقب الحرب الأخيرة تعني بالنسبة إلى البلغاريين تغييرًا سياسيًا، وبالتأكيد، هو أمر هائل ومؤسف (لا يقلّ هناك انتهاك حقوق الإنسان عمّا يجري في بودابست)، وإن لم يكن صدام بين حضارات بما تمثله بالنسبة إلى التشيك والبولنديين والمجريين.
3
تنعكس هوية شعب أو حضارة وتتلخص في مجموعة الإبداعات الروحية التي تُسمّى عادة “الثقافة”. إذا كانت هذه الهوية مهددة بشكل قاتل، فإن الحياة الثقافية تزداد حدّة، وتتفاقم، وتصبح الثقافة هي القيمة الحيّة التي يتجمع حولها كلّ الناس. هذا هو السبب في أن الذاكرة الثقافية وكذلك الإبداع المعاصر، في جميع ثورات أوروبا الوسطى، لعبا دورًا كبيرًا وحاسمًا لم نشهد مثيلا لهما في أي مكان أبدًا أو في أي ثورة شعبية أوروبية (2).
هناك بعض الكتّاب، الذي تجمعوا في حلقة حملت اسم الشاعر الرومانسي بيتوفي (Petôfi)، أطلقوا العنان في المجر لتأملات نقدية عظيمة، وبالتالي هيأوا لانفجار العام 1956. هؤلاء هم المسرح، والشريط السينمائي، والأدب، والفلسفة التي عملت خلال سنوات على الانعتاق التحرري لربيع براغ. لقد جاء حظر عرض ميكيفيتش (Mickiewicz)، الذي يُعدّ أعظم شاعر بولندي رومانسي، ليكون الشرارة التي أشعلت فتيل الثورة الشهيرة للطلاب البولنديين في العام 1968. هذا التزاوج السعيد بين الثقافة والحياة، وبين الخلق والشعب ميّز ثورات مناطق أوروبا الوسطى ذات الجمال الفريد، والذي نحن، الذين جربناهم، سنظل منبهرين بها إلى الأبد.
ما أجده جميلًا، بالمعنى الأعمق للكلمة، قد يجده مثقفٌ ألمانيٌّ أو فرنسيٌّ أمرا مشكوكًا فيه إلى حدّ ما. إذ لديه انطباعٌ بأن هذه الثورات لا يمكن أن تكون حقيقية وشائعة حقًا إذا كانت تخضع لتأثير ثقافي كبير جدًا. يبدو ذلك غريبا، لكن بالنسبة إلى البعض فإن الثقافة والناس مفهومان غير متوافقين. إن فكرة الثقافة مشوّشة في عيونهم مع صورة النخبة المتميزة. لهذا السبب نجد أنهم رحبوا بحركة التضامن بتعاطف أكبر بكثير من الثورات السابقة. ومع ذلك، مهما قال المرء، فإن حركة التضامن لا تتميز في جوهرها عن هذه الثورات الأخيرة، إنها فقط أوجها: الاتحاد الأكثر كمالًا (الأكثر تنظيمًا) بين الناس والتقاليد المضطهدة أو المُهمَلة أو المُرَهَّبة من تراث البلد الثقافي.
4
يمكن أن يُقال لي الآتي: دعنا نعترف بأن دول أوروبا الوسطى تدافع عن هويتها المهددة، لكن هذا لا يجعل وضعها محددًا للغاية. روسيا تجد نفسها في وضع مماثل. هي أيضا تفقد هويتها. في الواقع، ليست روسيا، بل الشيوعية هي التي تحرم الأمم من جوهرها، والتي -علاوة على ذلك- جعلت الشعب الروسي ضحيته الأولى. من المؤكد أن اللغة الروسية تخنق لغات الأمم الأخرى في الإمبراطورية. لكن ليس الأمر في أن الروس يريدون تحويل الآخرين إلى روسيين، بل إن البيروقراطية السوفييتية ذات القومية العميقة كما تلك المضادة للقومية، والمتجاوزة لها تحتاج إلى أداة فنية لتوحيد دولتها.
أنا أفهم هذا المنطق، وأتفهم أيضًا مدى ضعف الروس الذين يعانون من فكرة أن الشيوعية المكروهة يمكن الخلط بينها وبين وطنهم الحبيب.
لكن يجب علينا أيضًا أن نفهم شخصا بولنديًا، استعبدت روسيا وطنه، باستثناء فترة قصيرة بين الحربين، لمدة قرنين من الزمان وخضع طوال هذا الوقت “للترويس” باعتباره صبورًا لا هوادة فيه.
على حدود الغرب الشرقية، أي وسط أوروبا، كان الناس دائمًا أكثر حساسية تجاه خطر القوة الروسية. وليس البولنديون فقط. فرانتيسك بالاكي، المؤرخ العظيم والشخصية الأكثر تمثيلا للسياسة التشيكية في القرن التاسع عشر، كتب في العام 1848 الرسالة الشهيرة إلى برلمان فرانكفورت الثوري التي برر فيها وجود إمبراطورية آل هابسبورغ، الحصن الوحيد الممكن ضد روسيا، “تلك القوة، التي تمتلك اليوم حجمًا هائلًا، والتي تزيد من قوتها أكثر من أي بلد غربي يمكنه القيام بذلك”. يحذر بالاكي من طموحات روسيا الإمبريالية، التي تحاول أن تصبح “ملكية عالمية”، أي تتطلع إلى الهيمنة على العالم. يقول بالاكي إن “النظام الملكي العالمي لروسيا سيكون محنة هائلة لا يمكن وصفها، ومصيبة بلا تدبير وبدون حدود”.
وفقًا لـ بلاكي، كان ينبغي أن تكون أوروبا الوسطى موطنًا لأمم متساوية، والتي من شأنها، مع الاحترام المتبادل -في ظلّ مأوى دولة مشتركة وقوية- أن تزرع أصولها المتنوعة. على الرغم من أن هذا الحلم لم يتحقق بالكامل، إلا أنه، وعلى الرغم من أن جميع العقول العظيمة في أوروبا الوسطى تتشارك فيه، بقي مع ذلك قويًا ومؤثرًا. أرادت أوروبا الوسطى أن تكون الصورة المكثفة عن أوروبا وعن ثروتها المتنوعة، أن تكون أوروبا صغيرة، ذات أوروبية مكثفة، ونموذجًا مصغرًا عن أوروبا الدول المصممة وفقًا للقاعدة: أقصى قدر من التنوع في الحدّ الأدنى من المساحة. كيف لا يمكن أن تخيفها روسيا، التي كانت أمامها تستند إلى القاعدة المعاكسة: الحدّ الأدنى من التنوع في أقصى مساحة؟
في الواقع، لا شيء يمكن أن يكون أكثر غرابة في أوروبا الوسطى وشغفها بالتنوع من روسيا، الموحَدة، الموحِدة، المركزية، والتي حولت -بعزم هائل- جميع دول إمبراطوريتها (الأوكرانيين، البيلاروسيين، الأرمن، اللاتفيين، الليتوانيين… إلخ) إلى شعب روسي واحد (أو -كما نفضل أن نقول اليوم في عصر غموض المفردات العام- إلى شعب سوفييتي واحد).
هل يعني ذلك، أن الشيوعية هي نفي للتاريخ الروسي أم بالأحرى تحقيقه؟
إنه بالتأكيد نفيه (نفي تدينها، على سبيل المثال) وتحقيقه (تحقيق ميولها المركزية وأحلامها الإمبراطورية).
من داخل روسيا، يبدو الجانب الأول، وهو عدم الاستمرارية، أكثر إثارة للإعجاب. من وجهة نظر البلدان المستعبدة، فإن الجانب الثاني -وهو الاستمرارية- هو الأكثر إحساسًا به (3).
5
لكن، ألا أضع روسيا بهذا، في مواجهة الحضارة الغربية بشكل مطلق؟ أوروبا، وإن كانت مقسمة إلى جزأين غربي وشرقي، أليست بالرغم من كلّ شيء كيانًا واحدًا متجذرًا في اليونان القديمة وما يسمى بالفكر اليهودي- المسيحي؟
بالطبع، الجذور القديمة البعيدة توحد روسيا معنا. علاوة على ذلك، خلال القرن التاسع عشر، اقتربت روسيا من أوروبا. كان الافتتان متبادلًا. أعلن ريلكه أن روسيا موطنه الروحي ولم يفلت أحد من قوة الرواية الروسية العظيمة، التي لا تزال لا تنفصل عن الثقافة الأوروبية المشتركة.
نعم، كلّ هذا صحيح وسيظل الانخراط الثقافي للأوروبيين ذكرى عظيمة (4). بيد أنه ليس صحيحًا أن الشيوعية الروسية أعادت بقوة إحياء الهواجس الروسية القديمة المعادية للغرب وانتزعتها بوحشية من التاريخ الغربي.
أريد أن أؤكد على هذا مرة أخرى: بأنه على حدود الغرب الشرقية، وبشكل أفضل من أي مكان آخر، يُنظر إلى روسيا على أنها مناهضة للغرب؛ لا تظهر فقط كواحدة من القوى الأوروبية من بين دول أخرى، بل تظهر كحضارة خاصة، بمثابة حضارة أخرى.
يتحدث تشيسواف مييووش عن ذلك في كتابه “أوروبا الأخرى”: في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ظهر سكان موسكو للبولنديين على أنهم “برابرة كانت هناك حرب ضدهم على حدود بعيدة. لم نكن مهتمين بهم بشكل خاص… منذ تلك الفترة التي وجدوا فيها الفراغ في الشرق فقط، اشتق البولنديون مفهوم روسيا التي تقع “في الخارج”، خارج العالم (5)”.
كانوا يظهرون بمثابة “برابرة”، أولئك الذين يمثلون عالما آخر. كان الروس يمثلون ذلك بالنسبة إلى البولنديين دائمًا. يروي كاسيميرز برانديز هذه القصة الجميلة: التقى كاتب بولندي بآنا أخماتوفا، الشاعرة الروسية العظيمة. اشتكى البولندي من وضعه: لقد حُظِرت جميع أعماله. قاطعته قائلة: هل سُجنت؟ أجاب البولندي بالنفي. “هل تمّ طردك على الأقل من اتحاد الكتّاب؟ – لا. “إذن ما الذي تشكو منه؟” كانت أخماتوفا محتارة بأمره فعلا.
ويعلّق برانديز: “هذه هي المواساة الروسية. لا شيء يبدو مروعًا بما يكفي بالنسبة إليهم، مقارنة بمصير روسيا. لكن هذا العزاء لا معنى له. إن القدر الروسي ليس جزءًا من وعينا؛ هو غريب علينا. نحن لسنا مسؤولين. إنه يثقل كاهلنا، لكنه ليس ميراثنا. كانت هذه أيضًا علاقتي بالأدب الروسي. لقد أخافني. حتى يومنا هذا، أشعر بالرعب من بعض القصص القصيرة التي كتبها غوغول ومن كلّ ما كتبه سالتيكوف- شيدرين. أفضّل عدم معرفة عالميهما، أن لا أعرف أنه موجود”(6).
لا تُعبّر الكلمات عن غوغول بالطبع عن رفض لفن غوغول، لكنها تُعبّر عن رعب العالم الذي يثيره هذا الفن: هذا العالم يسحرنا ويجذبنا عندما يكون بعيدًا، ويكشف عن كلّ غرابته الرهيبة في أقرب وقت. لأنه يحيط بنا عن كثب: إنه يمتلك بُعدًا آخر (أكبر) من المحنة، صورة أخرى للفضاء (مساحة هائلة لدرجة أن أممّا بأكملها تضيع فيه)، وإيقاعًا آخر للوقت (بطيئًا وصبورًا)، وطريقة أخرى للضحك، والعيش من الموت(7).
هذا هو السبب في أن أوروبا، التي أسميها مركزية، شعرت بأن مصيرها يتغير بعد العام 1945 ليس فقط ككارثة سياسية ولكن كتشكيك في حضارتها. المعنى العميق لمقاومتها هو الدفاع عن هويتها. أو بعبارة أخرى: إنه دفاع عن غربها.
6
لم يعد هناك أي أوهام حول أنظمة الدول التابعة لروسيا. لكننا ننسى جوهر مأساتها: لقد اختفت من خريطة الغرب.
كيف نفسر أن هذا الجانب من الدراما ظل غير مرئي تقريبًا؟
يمكن شرح ذلك من خلال التشكيك أولًا في أوروبا الوسطى نفسها.
كان للبولنديين والتشيكيين والهنغاريين تاريخ مضطرب ومجزأ وتقليد دولة أقل قوة وأقل استمرارية من تقاليد الشعوب الأوروبية العظيمة. هذه الدول التي حُشرت من قبل الألمان من جهة، والروس من جهة أخرى، استنفدت الكثير من القوى في كفاحها من أجل بقائها ومن أجل لغتها. وبسبب عدم قدرتها على اختراق الوعي الأوروبي بشكل كافٍ، فقد ظلّت بمثابة الجزء الأقل شهرة والأكثر هشاشة في الغرب، وعلاوة على ذلك، فقد بقيت مختبئة، خلف ستار اللغات الغريبة التي يصعب الوصول إليها.
كانت للإمبراطورية النمساوية فرصة عظيمة لإنشاء دولة قوية في وسط أوروبا. ولكن للأسف، لقد انقسم النمساويون بين القومية المتعجرفة لألمانيا الكبرى ومهمتهم الخاصة في أوروبا الوسطى. لقد فشلوا في بناء دولة اتحادية من دول متساوية، وقد شكل فشلهم محنة لأوروبا بأسرها. استاءت دول وسط أوروبا الأخرى من الإمبراطورية في العام 1918، ولم تدرك أنه لا يمكن تعويضها، على الرغم من عيوبها. وهكذا، بعد الحرب العالمية الأولى، تحولت أوروبا الوسطى إلى منطقة من الدول الصغيرة الضعيفة، والتي سمح ضعفها بغزوات هتلر الأولى وانتصار ستالين النهائي. ربما، في اللاوعي الجماعي الأوروبي، لا تزال هذه البلدان تمثل مثيري شغب خطرين.
ولكي أكون صادقًا، أرى أخيرًا أن خطأ أوروبا الوسطى يكمن فيما سأطلق عليه “أيديولوجية العالم السلافي”. أقول “أيديولوجيا” لأنها مجرد غموض سياسي تمّ اختلاقه في القرن التاسع عشر. أحبّ التشيك (على الرغم من التحذير الصارم لشخصياتهم الأكثر تمثيلا) التلويح بها في دفاع ساذج ضد العدوان الألماني. من ناحية أخرى، استخدم الروس ذلك بسهولة لتبرير أهدافهم الإمبراطورية. “يحب الروس تسمية كل ما هو روسي بالسلافية حتى يتمكنوا لاحقًا من تسمية كل شيء سلافي بالروسية”، كما أعلن في العام 1844 الكاتب التشيكي العظيم كاريل هافليتشيك(8)، الذي حذر مواطنيه من حماقتهم بالانجرار إلى الروسوفونية الحمقاء وغير الواقعية. غير واقعية، لأنه خلال تاريخهم الألفي لم يكن للتشيك أي اتصال مباشر مع روسيا. على الرغم من القرابة اللغوية، لم يكن لديهم عالم مشترك معهم، ولا تاريخ مشترك، ولا ثقافة مشتركة، بينما كانت علاقات البولنديين مع الروس مجرد صراع حياة أو موت.
منذ حوالي ستين عامًا، كتب جوزيف كونراد كورزينيوسكي، المعروف باسم جوزيف كونراد، الذي كان منزعجًا من تسمية “الروح السلافية” التي أحب الناس إلصاقها به وبكتبه بسبب أصله البولندي، كتب: “ليس هناك ما هو أكثر غرابة ممّا يسمى في العالم الأدبي بـ”الروح السلافية”، إلى المزاج البولندي بشعوره الفخم بالقيود الأخلاقية واحترامه المبالغ فيه للحقوق الفردية. (كما أفهم، أنا أيضًا لا أعرف شيئًا أكثر سخافة من عبادة الأعماق المظلمة هذه، هذه المشاعر صاخبة بقدر ما هي فارغة تسمى “الروح السلافية” والتي تُنسب إليّ من وقت لآخر(9)!)
ومع ذلك، فإن فكرة العالم السلافي أصبحت شائعة في التأريخ العالمي(10). تقسيم أوروبا بعد العام 1945، والذي وحدّ هذا ما يسمى بـ”العالم” (بما في ذلك أيضًا المجريون الفقراء والرومانيون الذين لغتهم -بالطبع- ليست السلافية؛ ولكن من يهتم بمثل هذه التفاصيل؟) الذي استطاع أن يظهر وكأنه حلّ طبيعي.
7
هل هذا هو خطأ أوروبا الوسطى فعلا إذا لم يلاحظ الغرب حتى اختفاءها؟
ليس بالكامل. في بداية هذا القرن، أصبحت، على الرغم من ضعفها السياسي، مركزًا ثقافيًا كبيرًا، وربما الأعظم. في هذا الصدد، فإن أهمية فيينا معروفة جيدًا اليوم، ولكن لا يمكن أبدًا التأكيد بما فيه الكفاية على أن أصالة العاصمة النمساوية لا يمكن تصورها بدون خلفية البلدان والمدن الأخرى التي -بالمناسبة- شاركت بنفسها من خلال إبداعاتها الخاصة في كل ثقافة أوروبا الوسطى. فإن كانت مدرسة شونبرغ (Schönberg) قد أسست نظام “الدوديكافونيك” (dodecaphonic)، فإن المجري بيلا بارتوك (Béla Bartók) -في رأيي- هو واحد من موسيقيين أو ثلاثة، من أعظم موسيقيي القرن العشرين، الذي عرف كيف يعثر على الإمكانية الأصلية الأخيرة للموسيقى التي بُنيت على مبدأ النغمات. لقد خلقت براغ، من خلال أعمال كافكا وهاسيك، نظيرًا رومانسيًا رائعًا لعمل موزيل وبروش في فيينا. تمّ تكثيف الديناميكية الثقافية للبلدان غير الناطقة بالألمانية بعد العام 1918 عندما جلبت براغ للعالم مبادرة دائرة براغ اللغوية وفكرها البنيوي(11). لقد رسم الثالوث العظيم جومبروفيتش وشولتس وويتكيفيتش في بولندا الحداثة الأوروبية في خمسينيات القرن الماضي، ولا سيما ما يسمى بمسرح اللامعقول.
ثمة سؤال يُطرح: هل كان كلّ هذا الانفجار الإبداعي العظيم مجرد صدفة جغرافية؟ أم أنها متجذرة في تقليد طويل في الماضي؟ بمعنى آخر: هل يمكن أن نتحدث عن أوروبا الوسطى ككيان ثقافي حقيقي له تاريخه الخاص؟ وإذا وجدت مثل هذه المجموعة، فهل يمكن تحديدها جغرافيا؟ وما هي حدودها؟
سيكون من العبث محاولة تعريفها بدقة، لأن أوروبا الوسطى ليست دولة، بل هي ثقافة أو قدر. حدودها خيالية ويجب تتبعها وإعادة ترسيمها مع كلّ حالة تاريخية جديدة.
على سبيل المثال، في منتصف القرن الرابع عشر، جمعت جامعة تشارلز في براغ مفكرين (أساتذة وطلاب) تشيك ونمساويين وبافاريين وساكسونيين وبولنديين وليتوانيين وهنغاريين ورومانيين، انطلاقا من فكرة إقامة مجتمع متعدد الجنسيات حيث لكل فرد الحق في لغته الخاصة: في الواقع، وتحت التأثير غير المباشر لهذه الجامعة (كان المصلح يان هوس رئيس الجامعة هناك) وُلدت أولى ترجمات الكتاب المقدس إلى الهنغارية والرومانية.
وتبعت هذا الأمر مواقف أخرى: ثورة هوسيت؛ تأثير النهضة المجرية الدولي في زمن ماتياس كورفين؛ تشكيل إمبراطورية هابسبورغ كاتحاد شخصي لثلاث دول مستقلة: بوهيميا والمجر والنمسا؛ الحروب ضد الأتراك. الإصلاح المضاد في القرن السابع عشر. في ذلك الوقت، عادت الخصوصية الثقافية لأوروبا الوسطى إلى الظهور ببراعة بفضل الازدهار غير العادي للفن الباروكي، الذي وَحدّ هذه المنطقة الشاسعة، من سالزبورغ إلى ويلنو. وهكذا، على الخريطة الأوروبية، أصبحت أوروبا الوسطى الباروكية -التي تميزت بغلبة اللاعقلاني وبالدور المهيمن للفنون التشكيلية وقبل كل شيء الموسيقى- هي القطب المقابل لفرنسا الكلاسيكية (التي تتميز بهيمنة العقلانية وبتأثير الدور المهيمن للأدب والفلسفة). في عصر الباروك هذا، كانت جذور التطور الاستثنائي لموسيقى أوروبا الوسطى، من هايدن إلى شونبيرج، من لِيست إلى بارتوك، تكثف في حدّ ذاتها تطور كلّ الموسيقى الأوروبية.
في القرن التاسع عشر، حرضت النضالات الوطنية (تلك التي قام بها البولنديون، والمجريون، والتشيكيون، والكرواتيون، والسلوفينيون، والرومانيون، واليهود) بعض الدول على بعضها الآخر، وعلى الرغم من أن كلّ واحدة منها كانت غير مدعومة، ومعزولة ومحاصرة ضمن إطارها الخاص، إلا أنها عاشت نفس التجربة الوجودية العظيمة المشتركة: تجربة أمة تختار بين وجودها ولا وجودها؛ بعبارة أخرى، بين الحياة الوطنية الأصيلة والاندماج في أمة أكبر.
حتى النمساويين، الدولة المهيمنة في الإمبراطورية، لم يتمكنوا من الهروب من ضرورة هذا الاختيار. كان عليهم الاختيار بين هويتهم النمساوية واندماجهم في الكيان الألماني الأكبر. أما اليهود، فلم يستطيعوا بدورهم أيضًا تجنب هذا السؤال. من خلال رفضهم هذا الاندماج، اختارت الصهيونية، التي ولدت أيضًا في أوروبا الوسطى، طريق جميع دول أوروبا الوسطى.
شهد القرن العشرون مواقف أخرى: انهيار الإمبراطورية، والضمّ الروسي، وفترة الثورات الطويلة في أوروبا الوسطى، وهي مجرد رهان كبير على الحلّ المجهول.
وبالتالي، فإن ما يعرّف ويحدد كلّ أوروبا الوسطى لا يمكن أن يكون الحدود السياسية (التي هي زائفة، تفرضها دائمًا الغزوات والفتوحات والاحتلال)، ولكن المواقف المشتركة الكبرى التي تجمع الشعوب معًا، وتجمعهم دائمًا معًا بشكل مختلف، ضمن الحدود المتخيلة والمتغيرة دوما، حيث تعيش نفس الذاكرة، ونفس التجربة، ونفس مجتمع التقاليد.
8
جاء والدا سيغموند فرويد من بولندا، ولكن في مورافيا، موطني الأصلي، قضى سيغموند الصغير طفولته، كما فعل إدموند هوسرل وجوستاف مالر؛ الروائي الفييني جوزيف روث له جذوره أيضًا في بولندا. ولد الشاعر التشيكي العظيم يوليوس زير في براغ لعائلة ناطقة بالألمانية وكانت اللغة التشيكية هي اللغة التي اختارها. من ناحية أخرى، كانت اللغة الأم لهرمان كافكا هي التشيكية، بينما اعتمد ابنه فرانز اللغة الألمانية بالكامل. الكاتب تيبور ديري، الشخصية الرئيسة في الثورة المجرية عام 1956، كان من عائلة ألمانية مجرية، وعزيزي دانيلو كيش، الروائي الممتاز، فهو مجري- يوغسلافي. يا له من تشابك في الأقدار الوطنية بين أكثر الشخصيات تمثيلا!
كل من ذكرتهم للتو كانوا من اليهود. في الواقع، ما من منطقة في هذا العالم وسمتها العبقرية اليهودية بعمق أكثر من هذا الجزء. إنهم غرباء في كلّ مكان وفي أوطانهم أيضا، بارتفاعهم فوق الخلافات الوطنية، كان اليهود في القرن العشرين العنصر العالمي الرئيس والمتكامل لأوروبا الوسطى، كانوا دعامتها الفكرية، وكثافة روحها، ومبدعي وحدتها الروحانية. لهذا السبب أحبهم وأتمسك بإرثهم بشغف وحنين كما لو أن الأمر كان تراثي الشخصي.
شيء آخر يجعل الأمة اليهودية عزيزة عليّ. يبدو لي أن قدر أوروبا الوسطى يكمن في مصيرها في أن يركز، وينعكس، للعثور على صورته الرمزية. ما هي أوروبا الوسطى؟ المنطقة غير المؤكدة للدول الصغيرة بين روسيا وألمانيا. أشدّد على هذه الكلمات: أمة صغيرة. في الواقع، من هم اليهود إن لم يكونوا أمة صغيرة، أمة صغيرة بامتياز؟ الأمة الوحيدة من بين جميع الأمم الصغيرة في كل العصور التي نجت من الإمبراطوريات ومسيرة التاريخ المدمرة.
لكن ما هي الأمة الصغيرة؟ أقدم لكم تعريفي: الأمة الصغيرة هي الدولة التي يمكن التشكيك في وجودها في أي وقت، ويمكن أن تختفي، وهي التي تعرف ذلك. إن الفرنسي والروسي والإنجليزي ليسوا معتادين على طرح أسئلة حول بقاء أمتهم. أناشيدهم الوطنية تتحدث فقط عن العظمة والخلود. في أي حال، يبدأ النشيد البولندي بالبيت التالي: “بولندا لم تهلك بعد …”.
تتمتع أوروبا الوسطى، باعتبارها مرتعًا للدول الصغيرة، بنظرتها الخاصة للعالم، والتي تستند إلى عدم الثقة العميق في التاريخ. التاريخ، إله هيجل وماركس، هو هذا التجسد للعقل الذي يحكم علينا والذي يحكمنا، هو تاريخ المنتصرين. ومع ذلك، فإن شعوب أوروبا الوسطى لم تنتصر. إنهم لا ينفصلون عن التاريخ الأوروبي، ولا يمكنهم الوجود بدونه، لكنهم يمثلون فقط الجانب الآخر من هذا التاريخ، وضحاياه وغربائه. إن هذه التجربة التاريخية المحبطة هي مصدر أصالة ثقافتهم، وحكمتهم، و”روحهم اللاجدية” التي تسخر من العظمة والمجد. “دعونا لا ننسى أنه فقط من خلال معارضة التاريخ على هذا النحو يمكننا معارضة تاريخ اليوم”. أود أن أنقش جملة ويلتود غومبروفيتش (Witold Gombrowicz) على بوابة أوروبا الوسطى(12).
لهذا السبب في هذه المنطقة من الدول الصغيرة التي “لم تهلك بعد”، كان ضعف أوروبا، في كل أوروبا، واضحًا بشكل أوضح وفي وقت أبكر من أي مكان آخر. في الواقع، في عالمنا الحديث، حيث تميل القوة إلى أن تتركز أكثر فأكثر في أيدي عدد قليل من الدول الكبيرة، فإن جميع الدول الأوروبية معرضة لخطر أن تصبح قريبًا دولًا صغيرة وتعاني من مصيرها. بهذا المعنى، يبدو مصير أوروبا الوسطى بمثابة توقع للمصير الأوروبي بشكل عام، وتكتسب ثقافتها على الفور أهمية كبيرة.
يكفي أن تقرأ أعظم روايات أوروبا الوسطى(13): في “المسرنمون”، رواية بروخ، يظهر التاريخ على أنه عملية تدهور للقيم. تصور رواية “رجل بلا صفات”، لموزيل، مجتمعًا مفعمًا بالبهجة، لا يعرف أنه سيختفي غدًا؛ في “الجندي الطيب شفايك”، رواية هاسيك، محاكاة البلاهة هي آخر إمكانية للحفاظ على حرية المرء؛ تخبرنا رؤى كافكا الرومانسية عن عالم بلا ذاكرة، عن العالم بعد الأزمنة التاريخية. يمكن فهم كل الإبداع العظيم في أوروبا الوسطى، من قرننا حتى يومنا هذا، على أنه تأمل طويل في النهاية المحتملة للإنسانية الأوروبية.
9
اليوم، أوروبا الوسطى مستعبدة من قبل روسيا، باستثناء النمسا الصغيرة التي حافظت على استقلالها، بسبب الحظ أكثر من الضرورة، لكنها، التي انفصلت عن جو أوروبا الوسطى، تفقد الجزء الأكبر من خصوصيتها وكلّ أهميتها. كان اختفاء مركز أوروبا الوسطى الثقافي، بالتأكيد، أحد أعظم أحداث القرن في جميع الحضارات الغربية. لذا أكرر سؤالي: كيف يعقل أن يبقى من دون أن يلاحظه أحد أو أن يذكر اسمه؟
جوابي بسيط: أوروبا لم تلاحظ اختفاء مركزها الثقافي العظيم، لأن أوروبا لم تعد تشعر بوحدتها كوحدة ثقافية.
على أي أساس تقوم وحدة أوروبا في الواقع؟
في العصور الوسطى، كانت تقوم على الدين المشترك.
في الأزمنة الحديثة، عندما تحول إله العصور الوسطى إلى إله مخفي (Deus absconditus)، أفسح الدين الطريق للثقافة، التي أصبحت تحقيقًا للقيم العليا التي من خلالها فهمت الإنسانية الأوروبية نفسها وحددتها وعرفتها.
في حين، يبدو لي أن هناك تغييرًا آخر يحدث في قرننا، لا يقلّ أهمية عن ذلك الذي يفصل بين العصور الوسطى والعصر الحديث. مثلما أفسح الله المجال للثقافة ذات مرة، تفسح الثقافة بدورها الطريق اليوم.
لكن إلى ماذا ولمن؟ ما المنطقة التي سيتم فيها تحقيق القيم العليا التي يمكن أن توحد أوروبا؟ مآثر تقنية؟ السوق؟ وسائل الإعلام؟ (هل يحل الصحافي الكبير محل الشاعر الكبير؟) أم السياسة؟ ولكن أي سياسة؟ تلك التي على اليمين أم التي إلى اليسار؟ هل ما زال هناك، فوق هذه المانوية، الغبية بطريقة لا يمكن التغلب عليها، مثال مشترك محسوس؟ هل هو مبدأ التسامح واحترام معتقدات وأفكار الآخرين؟ لكن هذا التسامح، إذا لم يعد يحمي أي خلق غني وأي فكر قوي، ألا يصبح فارغًا وعديم الفائدة؟ أم يمكننا أن نفهم الاستقالة من الثقافة كنوع من الخلاص، يجب أن نتخلّى عن أنفسنا له في حالة من النشوة؟ أم سيعود الإله المخفي ليحتل المكان الذي تم إخلاؤه وليظهر نفسه؟ لا أعلم، لا أعرف. أعتقد فقط أنني أعرف أن الثقافة قد تراجعت.
كان هيرمان بروش مهووسًا بهذه الفكرة منذ الثلاثينيات. يقول، على سبيل المثال: “لقد أصبح الرسم شأنًا مقصورًا على فئة معينة وأصبح ملكًا لعالم المتاحف. لم يعد هناك أي اهتمام به أو بمشاكله، فهو يكاد يكون من بقايا فترة ماضية”.
كانت هذه الكلمات مفاجئة في ذلك الوقت. وهي ليست كذلك اليوم. لقد أجريت استطلاعًا صغيرًا لنفسي على مرّ السنين، وسألت ببراءة الأشخاص الذين قابلتهم من هو رسامهم المعاصر المفضل. لقد وجدت أنه لا يوجد أحد لديه رسام معاصر مفضل ومعظمهم لم يعرف أيًا منهم.
هذا وضع لم يكن من الممكن تصوره قبل ثلاثين عامًا، عندما كان جيل ماتيس وبيكاسو على قيد الحياة. في هذه الأثناء فقدت اللوحة وزنها، وتحولت إلى نشاط هامشي. هل لأنها لم تعد جيدة؟ أم لأننا فقدنا طعمها وإحساسها؟ تبقى الحقيقة أن الفن الذي أوجد أسلوب العصر الذي رافق أوروبا لقرون، تخلى عنّا أو تخلينا عنه.
والشعر والموسيقى والعمارة والفلسفة؟ لقد فقدت أيضًا القدرة على تشكيل الوحدة الأوروبية لتكون أساسها. هذا تغيير مهم للإنسانية الأوروبية مثل إنهاء الاستعمار في أفريقيا.
10
أمضى فرانز ويرفيل الثلث الأول من حياته في براغ، والثاني في فيينا، والثالث في الهجرة، أولًا في فرنسا، ثم في أمريكا؛ هذه سيرة ذاتية نموذجية وسط أوروبية. في العام 1937 وجد نفسه مع زوجته ألما الشهيرة، أرملة ماهلر، في باريس، مدعوّين من قبل منظمة التعاون الفكري لعصبة الأمم لحضور ندوة كانت تتناول “مستقبل الأدب”. لم يعارض ويرفل في محاضرته الهتلرية فحسب، بل عارض الخطر الاستبدادي بشكل عام، والغباء الأيديولوجي والصحفي في عصرنا، والذي كان سيقتل الثقافة. أنهى محاضرته باقتراح اعتقد أنه يمكن أن يحدّ من العملية الجهنمية: لتأسيس “أكاديمية عالمية للشعراء والمفكرين” (Weltakademie der Dichter und Denker). ولا يجوز بأي حال من الأحوال تفويض أعضائها من قبل الدول. يجب أن يتمّ اختيار الأعضاء فقط على أساس قيمة عملهم. يجب أن يكون عدد الأعضاء، وهم من أعظم الكتّاب في العالم، ما بين أربعة وعشرين وأربعين. ستكون مهمة هذه الأكاديمية -بغض النظر عن السياسة والدعاية- هي “مواجهة تسييس العالم وهمجيته”.
لم يتم فقط رفض هذا الاقتراح، ولكن تمّ الاستهزاء به بصراحة. بالطبع كان اقتراحا ساذجا. رهيب السذاجة. في العالم المسيس تمامًا، حيث كان الفنانون والمفكرون جميعًا بالفعل “ملتزمين” بشكل لا رجعة فيه، كيف يتمّ إنشاء هذه الأكاديمية المستقلة؟ كان بإمكانها أن تبدو هزلية فقط مثل تجمع النفوس الجميلة.
ومع ذلك، فإن هذا الافتراض الساذج يبدو لي متحركًا، لأنه يخون الحاجة الماسة لإيجاد سلطة أخلاقية في عالم خالٍ من القيم. لم تكن سوى رغبة حزينة في جعل صوت الثقافة غير المسموع، مسموعًا، صوت الشعراء والمفكرين (14).
تندمج هذه القصة في ذاكرتي مع ذكرى ذاك الصباح عندما صادرت الشرطة، بعد تفتيش شقته، ألف صفحة من مخطوط صديقي الفلسفي، الفيلسوف التشيكي الشهير. في ذلك اليوم بالذات، كنا نسير في شوارع براغ. نزلنا من هرادشين حيث كان يقيم باتجاه شبه جزيرة كامبا. عبرنا جسر مانس. كان يحاول المزاح: كيف كان رجال الشرطة سيفكون لغته الفلسفية المغلقة؟ لكن لا توجد مزحة يمكن أن تهدئ من الألم، ولا يمكن أن تعوض خسارة عشر سنوات من العمل الذي تمثله هذه المخطوطة، والتي لم يكن لدى الفيلسوف أي نسخة منها.
ناقشنا إمكانية إرسال رسالة مفتوحة إلى الخارج لجعل هذه المصادرة فضيحة دولية. كان من الواضح لنا أنه يتعين علينا مخاطبة لا مؤسسة أو رجل دولة، ولكن فقط شخصية فوق السياسة، شخص يمثل قيمة لا جدال فيها، مقبولة بشكل عام في أوروبا. إذا علينا التوجه لشخصية الثقافة. لكن أين كانت؟
وفجأة أدركنا أن هذه الشخصية لم تكن موجودة. نعم، كان هناك رسامون وكتّاب مسرحيون وموسيقيون عظماء، لكنهم لم يعودوا يشغلون المكانة المتميزة في المجتمع للسلطات الأخلاقية التي تقبلها أوروبا كممثلين روحيين لها. لم تعد الثقافة موجودة كمجال تتحقق فيه القيم العليا.
مشينا نحو ساحة البلدة القديمة التي كنت أعيش في جوارها حينها، وشعرنا بوحدة هائلة، وفراغ، فراغ الساحة الأوروبية التي كانت الثقافة تغادرها ببطء (15).
11
آخر ذكرى للغرب تحتفظ بها دول أوروبا الوسطى من تجربتها الخاصة هي تلك التي تعود إلى الفترة من 1918 إلى 1938. إنهم يهتمون بها أكثر من أي وقت آخر في تاريخهم (تثبت استطلاعات الرأي السرية ذلك). لذلك فإن صورتهم عن الغرب هي صورة الغرب التي كانت في الماضي. من الغرب حيث الثقافة التي لم تُخلِ الساحة بالكامل بعد.
بهذا المعنى أود أن أسلّط الضوء على ظرف مهم: ثورات أوروبا الوسطى لم تكن مدعومة من قبل الصحف أو الراديو أو التلفزيون، أي وسائل الإعلام. لقد تمّ إعدادها وتنفيذها ووضعها عبر الروايات والشعر والمسرح والسينما والتأريخ والمراجعات الأدبية والمشاهد الكوميدية الشعبية والمناقشات الفلسفية، أي عبر الثقافة. فوسائل الإعلام التي تندمج، بالنسبة إلى فرنسي أو أمريكي، مع صورة الغرب المعاصر ذاتها، لم تلعب أي دور في هذه الثورات (لقد أخضعتها الدولة بالكامل) (16).
لهذا السبب، عندما احتل الروس تشيكوسلوفاكيا، كانت النتيجة الأولى هي التدمير الكامل للثقافة التشيكية على هذا النحو. كان معنى هذا الدمار ثلاثة أضعاف. اولا، تم تدمير مركز المعارضة. ثانيًا، تم تقويض هوية الأمة بحيث يمكن استيعابها بسهولة أكبر من قبل الحضارة الروسية؛ ثالثًا، تم وضع نهاية عنيفة لعصر الأزمنة الحديثة، أي تلك الحقبة التي كانت الثقافة فيها لا تزال تمثل تحقيق القيم العليا.
هي هذه النتيجة الثالثة التي تبدو لي الأكثر أهمية. إن حضارة الشمولية الروسية هي بالفعل إنكار جذري للغرب لأنه ولد في فجر الأزمنة الحديثة، تأسس على الأنا التي تفكر وتشك، والذي يتميز بالخلق الثقافي المتصور على أنه تعبير عن هذه الأنا الفريدة من نوعها والتي لا يمكن تقليدها. ألقى الغزو الروسي بتشيكوسلوفاكيا في عصر “ما بعد الثقافة”، وبالتالي جعلها منزوعة السلاح وعارية في وجه الجيش الروسي والتلفزيون الحكومي في كلّ مكان.
ما زلت مهزوزًا بهذا الحدث المأساوي الثلاثي الذي كان عليه غزو براغ، أتيت إلى فرنسا وحاولت أن أشرح لأصدقائي الفرنسيين مذبحة الثقافة التي حدثت بعد الغزو: “تخيّل! قمنا بتصفية جميع المجلات الأدبية والثقافية! كلها بلا استثناء! لم يحدث هذا في تاريخ التشيك، ولا حتى في ظل الاحتلال النازي خلال الحرب”!
ومع ذلك، نظر إليّ أصدقائي بتسامح محرج فهمت معناه لاحقًا. في الواقع، عندما تمّت تصفية جميع المجلات في تشيكوسلوفاكيا، عرفت الأمة بأكملها ذلك، وشعرت بقلق بالغ الأهمية بهول هذا الحدث (17). إذا اختفت جميع المجلات في فرنسا أو إنجلترا، فلن يلاحظ أحد، ولا حتى ناشرها في باريس، حتى في الدوائر الأكثر ثقافة، تتم مناقشة البرامج التلفزيونية أثناء العشاء وليس في المجلات. لأن الثقافة قد تراجعت بالفعل. اختفاؤها، الذي عشناه في براغ كان كارثة، صدمة، مأساة، عاشوا الأمر في باريس وكأنه شيء عادي وغير مهم، بالكاد مرئي، كأنه لا – حدث.
12
بعد تدمير الإمبراطورية، فقدت أوروبا الوسطى أسوارها. بعد أوشفيتز، الذي أطاح بالأمة اليهودية من على السطح، ألم تفقد روحها؟ وبعد انتزاعها من أوروبا عام 1945، هل ما زالت موجودة؟
نعم، إن إنشاءها وثوراتها يدلان على أنها “لم تهلك بعد”. ولكن إذا كانت الحياة تعني الوجود في عيون من نحبهم، فإن أوروبا الوسطى لم تعد موجودة. بتعبير أدق: في نظر أوروبا الحبيبة، هي مجرد جزء من الإمبراطورية السوفييتية ولا شيء أكثر ولا أكثر.
ولماذا تتفاجأ؟ من خلال نظامها السياسي، تعتبر أوروبا الوسطى هي الشرق. من خلال تاريخها الثقافي، هو الغرب. ولكن بما أن أوروبا تفقد الإحساس بهويتها الثقافية الخاصة، فإنها ترى في أوروبا الوسطى نظامها السياسي فقط. بعبارة أخرى: إنها ترى في أوروبا الوسطى فقط أوروبا الشرقية.
لذلك يجب على أوروبا الوسطى أن تعارض ليس فقط القوة الثقيلة لجارتها الكبيرة، ولكن أيضًا القوة غير المادية للوقت الذي تترك فيه عصر الثقافة وراءها بشكل لا يمكن إصلاحه. هذا هو السبب في أن ثورات أوروبا الوسطى لديها شيء متحفظ عنها، أكاد أقول لقد عفا عليها الزمن: إنها تحاول بشكل يائس استعادة الماضي، الزمن الماضي للثقافة، الزمن الماضي من العصر الحديث، لأنه فقط في تلك الحقبة، فقط في العالم الذي يحتفظ ببعد ثقافي، يمكن لأوروبا الوسطى أن تدافع عن هويتها، ويمكن أن تظل كذلك. ويمكن أن ينظر إليها كما هي عليه.
وبالتالي فإن مأساتها الحقيقية ليست روسيا، بل أوروبا. أوروبا، هذه الـ أوروبا التي مثلت، بالنسبة إلى مدير وكالة الأنباء المجرية، قيمة لدرجة أنه كان مستعدًا للموت من أجلها، ومات. خلف الستار الحديدي، لم يكن لديه فكرة أن الزمن قد تغير وأن أوروبا لم يعد يُنظر إليها على أنها قيمة. لم يكن يعلم أن البرقية التي أرسلها عبر “التليكس” عبر حدود بلده المسطحة بدت قديمة ولن يتمّ فهمها أبدًا.
——————–
هوامش المؤلف:
1. هل يمكننا أن نصنف من بين هذه الثورات ثورة عمال برلين عام 1953؟ نعم ولا. مصير ألمانيا الشرقية له طابع خاص. لا يوجد نوعان من البولنديين. من ناحية أخرى، ألمانيا الشرقية ليست سوى جزء من ألمانيا ولا شيء يهدد وجودها القومي بأي حال من الأحوال. تلعب هذه القطعة في أيدي الروس دور الرهينة الذين تنفذ تجاههم ألمانيا الغربية والاتحاد السوفييتي سياسة خاصة جدًا، لا تنطبق على دول أوروبا الوسطى، والتي سيتم القيام بها يومًا ما، على ما يبدو لي، على نفقتهم. ربما يكون هذا هو السبب في أن التعاطف ليس عفويًا بين الألمان الشرقيين والآخرين. لقد رأينا ذلك عندما احتلت جيوش حلف وارسو الخمسة تشيكوسلوفاكيا. كان الروس والبلغار والألمان الشرقيون هائلين وخائفين. من ناحية أخرى، كان بإمكاني سرد عشرات القصص عن البولنديين والهنغاريين الذين بذلوا قصارى جهدهم لإظهار خلافهم مع الاحتلال وقاموا بتخريبه بصراحة. إذا أضفنا إلى هذا التواطؤ البولندي المجري والتشيكي، المساعدة الحماسية حقًا التي قدمتها النمسا للتشيك والغضب المناهض للسوفيات الذي استولى على يوغوسلافيا، فإننا نرى أن احتلال تشيكوسلوفاكيا أخرج على الفور مساحة أوروبا الوسطى التقليدية بشكل مذهل وواضح.
2. المفارقة التي يصعب على المراقب الخارجي فهمها: حقبة ما بعد العام 1945 هي الأكثر مأساوية في أوروبا الوسطى، ولكنها أيضًا واحدة من أعظم الحقب في تاريخها الثقافي. سواء في المنفى (جومبروفيك، ميلوش)، في شكل إبداع سري (تشيكوسلوفاكيا بعد عام 1968) أو، أخيرًا، كنشاط تغاضت عنه السلطات مجبرة على الاستسلام لضغوط الرأي العام، والفيلم، والرواية، والمسرح. ، الفلسفة التي ولدت هناك خلال هذه الفترة تمثل مرتفعات الإبداع الأوروبي.
3. يقول ليزيك كولاكوفسكي (1983 Zeszyty Literacke, no 2): «على الرغم من أنني أعتقد، مثل سولجنتسين، أن النظام السوفييتي قد تجاوز القيصرية في طابعه القمعي… التي حاربها أجدادي في ظروف مروعة، وماتوا، وتعرضوا للتعذيب والإذلال… أعتقد أن سولجنتسين يميل إلى إضفاء الطابع المثالي على القيصرية، التي لا يمكنني ولا أي بولندي آخر قبولها».
4. أجمل زواج روسي غربي هو عمل سترافينسكي، الذي يلخص التاريخ الألفي الكامل للموسيقى الغربية ويبقى في الوقت نفسه، من خلال خياله الموسيقي، روسيًا عميقًا. تم عقد زواج ممتاز آخر في وسط أوروبا في عملين أوبراليين رائعين لأحد عشاق الثقافة الروسية، العظيم ليوس جاناتشيك: الأول عن أوستروفسكي (كاتيا كابانوفا، 1924)، والثاني، وأنا معجب به بدون حدود، عن دوستويفسكي (من بيت الموتى، 1928). ولكن من الدلائل أن هذه الأوبرا لم تُقدَّم أبدًا في روسيا وأن وجودها ذاته غير معروف هناك. روسيا الشيوعية ترفض التحالفات مع الغرب.
5. حتى جائزة نوبل لم تهز اللامبالاة الغبية عند الناشرين الأوروبيين تجاه مييووش. في النهاية، إنه شاعر دقيق وعظيم لدرجة أنه لا يمكن أن يصبح شخصية في عصرنا. كتاباه، «الفكر الأسير» (1953) وأوروبا الأخرى (1959)، اللذان أخذت اقتباسي منهما، هما أول تحليلات رائعة غير مانوية للشيوعية الروسية و»ادفع للغرب».
6. قرأت في آنٍ واحد مخطوطة الترجمة الأمريكية لهذا الكتاب من تأليف برانديز بعنوان باللغة البولندية Miesiace (الأشهر)، [يوميات وارسو بالإنجليزية]. إذا كنت لا ترغب في البقاء على سطح التعليقات السياسية واختراق جوهر الدراما البولندية، من فضلك لا تفوت هذا الكتاب الرائع!
7. إن أجمل نص وأكثره وضوحًا قرأته عن روسيا كحضارة هو نص سيوران، «روسيا وفيروس الحرية»، الذي نُشر في كتابه «التاريخ واليوتوبيا» (1960). أما كتاب «إغراء الوجود» (1956) فيحتوي على أفكار أخرى ممتازة عن روسيا وأوروبا. يبدو لي أن سيوران أحد المفكرين النادرين الذين ما زالوا يطرحون السؤال القديم لأوروبا في أبعاده الكاملة. علاوة على ذلك، ليس الكاتب سيوران الفرنسي الذي يسأل عن ذلك، ولكن سيوران الذي ينتمي إلى وسط أوروبا، الذي جاء من رومانيا، وهي دولة «تشكلت لتختفي، ومنظّمة بشكل رائع ليتم ابتلاعها» (إغراء الوجود). نحن لا نفكر في أوروبا إلا في أوروبا المغمورة بالمياه.
8. كان كاريل هافليتشك بوروفسكي في الثانية والعشرين من عمره عندما غادر إلى روسيا العام 1843، حيث مكث هناك لمدة عام. وصل إلى هناك كسلافي متحمس ليصبح سريعًا أحد أقسى منتقدي روسيا. صاغ آراءه في رسائل ومقالات، جمعت لاحقًا في كتاب صغير. فيما يلي «رسائل أخرى من روسيا» كتبت في نفس العام تقريبًا مثل Custine. تتوافق مع أحكام المسافر الفرنسي. (غالبًا ما تكون أوجه الشبه مسلية. يقول كوستين: «إذا كان ابنك غير راضٍ عن فرنسا، خذ نصيحتي: أخبره أن يذهب إلى روسيا. أي شخص يعرف هذا البلد تمامًا سيكون سعيدًا إلى الأبد بالعيش في مكان آخر.» هافليتشيك «إذا كنت تريد تقديم خدمة حقيقية للتشيك، ادفع لهم رحلة إلى موسكو!») هذا التشابه مهم للغاية لأن هافليتشيك، وهو مواطن عام وتشيكي وطني، لا يمكن أن يشتبه في تحيزه أو لديه أحكام مسبقة ضد روسيا. تعتبر هافليتشيك الشخصية التمثيلية للسياسة التشيكية في القرن التاسع عشر، نظرًا للتأثير الذي مارسه على بالاكي وخاصة على مازاريك.
9. ثمة كتاب صغير ممتع يسمى «كيف تكون أجنبيًا» حيث يتحدث المؤلف في الفصل المسمى «الروح وتحت البيان» عن الروح السلافية. «أسوأ أنواع الروح هي الروح السلافية العظيمة. أولئك الذين يمتلكونها عادة ما يكونون مفكرين عميقين للغاية. يحبون أن يقولوا، على سبيل المثال: «هناك أوقات أكون فيها سعيدًا جدًا وهناك أوقات أشعر فيها بالحزن الشديد. كيف يمكنك أن تشرحه لي؟» أو: «أنا شديد الغموض. هناك أوقات أتمنى أن أكون فيها شخصًا آخر، وليس من أنا عليه». أو: «عندما أكون وحدي في منتصف الليل في الغابة وعندما أقفز من شجرة إلى أخرى، غالبًا ما أعتقد أن الحياة غريبة.» من يجرؤ على الاستهزاء بالروح السلافية العظيمة؟ بالطبع المؤلف من أصل مجري، جورج مايك. فقط في أوروبا الوسطى تبدو الروح السلافية سخيفة.
10. على سبيل المثال، افتح التاريخ العالمي لموسوعة لا بلياد. ستجد مصلح الكنيسة الكاثوليكية، جان هوس، في نفس الفصل، ليس مع لوثر، ولكن مع إيفان الرهيب! وسوف تبحث عبثًا عن نص أساسي عن المجر. نظرًا لعدم إمكانية تصنيف المجريين في «العالم السلافي»، لا مكان لهم على خريطة أوروبا.
11. في الواقع، وُلد الفكر البنيوي في أواخر العشرينيات من القرن الماضي في الدائرة اللغوية في براغ. وقد كانت تتألف من علماء تشيك وروس وألمان وبولنديين. في هذه البيئة العالمية للغاية، خلال الثلاثينيات، طور موكاروفسكي جمالياته الهيكلية. كانت بنيوية براغ متجذرة عضويًا في الشكليات التشيكية في القرن التاسع عشر. (كانت النزعات الشكلية أقوى في أوروبا الوسطى منها في أي مكان آخر بفضل المكانة المهيمنة التي تحتلها الموسيقى، وبالتالي، علم الموسيقى، الذي يعتبر «شكليًا» بجوهره.) مستوحى من الدوافع الأخيرة من الشكلانية الروسية، ذهب موكاروفسكي جذريًا إلى ما هو أبعد من طابعه الأحادي الجانب. كان البنيويون حلفاء لشعراء ورسامي براغ الطليعية (وبالتالي توقعوا التحالف الذي تم إنشاؤه في فرنسا بعد ثلاثين عامًا). لقد حموا بتأثيرهم فن الطليعة ضد التفسير الأيديولوجي الضيق الذي رافق الفن الحديث في كل مكان. لم يتم نشر عمل موكاروفسكي، المعروف في جميع أنحاء العالم، في فرنسا.
12. فيما يتعلق بموضوع «رؤية أوروبا الوسطى للعالم»، قرأت كتابين أقدرهما حقًا: أحدهما، أدبي، يسمى «أوروبا الوسطى: حكاية وتاريخ»؛ موقع باسم مجهول (جوزيف ك.) وقد نشر مكتوبًا على الآلة الكاتبة، في براغ؛ الآخر، أكثر فلسفية، بعنوان «عالم الحياة، مشكلة سياسية» (Il mondo della vita: a problema politico)؛ المؤلف هو فيلسوف من جنوى، فاتسلاف بيلوهرادسكي. يستحق هذا الكتاب، الذي نشرته بالفرنسية دار فيردييه، اهتمامًا أكبر.
13. الكاتب الفرنسي الذي أشار دائمًا إلى رواية أوروبا الوسطى (بالنسبة له لا يقتصر هذا على روائيي فيينا، بل يشمل أيضًا الروايات التشيكية والبولندية) هو باسكال لاين. يقول بعض الأشياء المثيرة للاهتمام حول هذا الموضوع في كتاب المقابلة التي أجراها Si j›ose dire (مركور دو فرانس).
14. لم تكن محاضرة ويرفل ساذجة على الإطلاق، ولم تشخ بعد. إنها تذكرني بمحاضرة أخرى، تلك التي قرأها روبرت موسيل في عام 1935 في مؤتمر الدفاع عن الثقافة في باريس. مثل ويرفل، يرى الخطر ليس فقط في الفاشية ولكن أيضًا في الشيوعية. إن الدفاع عن الثقافة لا يعني بالنسبة له انخراط الثقافة في صراع سياسي (كما فهمها الجميع في ذلك الوقت) بل على العكس من ذلك في حماية الثقافة من غباء التسييس. كلاهما يدرك أنه في العالم الحديث للتكنولوجيا والإعلام، فإن آمال الثقافة ليست عالية. لقيت آراء موسيل وويرفل استقبالًا سيئًا للغاية في باريس. ومع ذلك، في جميع المناقشات السياسية والثقافية التي أسمعها من حولي، لم يكن لدي أي شيء تقريبًا لأضيفه إلى ما قالوه وأشعر، في مثل هذه الأوقات، أنني مرتبط جدًا بهم، أعني، في تلك الأوقات، وسط أوروبا بشكل لا يمكن إصلاحه.
15. أخيرًا، وبعد تردد طويل، أرسل هذه الرسالة على أي حال- إلى جان بول سارتر. نعم، كان لا يزال آخر شخصية عالمية عظيمة في الثقافة: ومع ذلك فهو بالضبط هو الذي، في نظري، من خلال مفهومه لـ «الالتزام»، وضع الأساس النظري للتنازل عن الثقافة. باعتباره شخصية مستقلة ومحددة وغير قابلة للاختزال. مهما كان الأمر، فقد رد على رسالة صديقي على الفور بنص نشر في صحيفة لوموند. بدون هذا التدخل، لا أعتقد أن الشرطة كانت ستعيد أخيرًا (بعد حوالي عام) المخطوطة إلى الفيلسوف. في يوم جنازة سارتر، عادت إليّ ذكرى صديقي من براغ: الآن، لم تعد رسالته تجد أي مرسل إليه.
16. ومع ذلك، يجب ذكر استثناء واحد مشهور: خلال الأيام الأولى للاحتلال السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا، لعبت الإذاعة والتلفزيون، من خلال برامجها الإذاعية السرية، دورًا كبيرا للغاية. ولكن حتى ذلك الحين، كان صوت ممثلي الثقافة لا يزال هو المهيمن هناك.