خالد عزت
ناقد سينمائي مصري
ربما يكون فيلم المخرج الإيطالي “ماركو بوتشيوني”* ما الذي تبحث عنه quello che cerchi** -إنتاج عام 2001- من أكثر الأفلام المعنيَّة بطرح الإشكاليات الجمالية الحداثيّة في الفن السينمائي التي بدأ تردادها وتواترها منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. مع ظهور الوسيط الرقمي، وخروج أساليب جمالية بدأت تشق طريقها حثيثًا في أوروبا وأمريكا، كأفلام فنان السينما “بيتر جرينواي” والدنماركي “لارس فون ترير” وجماعة الدوجما. فمنذ ذاك الوقت أخذت الشاشة تستمد مقوماتها الجمالية، والفنية من دمج عديد من الوسائط البصرية والمرئية غير المتعارف عليها في العمل السينمائي السائد، مع صعود ما يعرف بالميديا المتجاوزة -hypermedia- ومن ثم كانت كل العناصر الموضوعية السائدة المرتبطة بالمفاهيم السياسية والفلسفية والفنية والتاريخية والجغرافية المكوّنة لتصورات القرن العشرين تتوارى وتلفظ أنفاسها، تحت ضغط موجات عاتيةٍ من الخلخلة لركائز القواعد الفنية والفكرية التي ترسّخت خلال السبعينيّات والثمانينيات، وسقطت مع سقوط حائط برلين في مطلع التسعينيات مع انزياح حقبة الحرب الباردة بين الكتلتين..
كانت معالم الديكور المعتاد الذي لوثت جدرانه شعارات الهيبيز، والجماعات المنشقة ذات التوجهات اليسارية المتطرفة، وأغاني بينك فلويد pink floyd، قد بدأت يتغير تدريجيا وتغسل واجهته من الآثار القديمة التي ستوضع داخل مستودعات افتراضية لحين استعادتها مرة أخرى في أفلام الحنين إلى الماضي التي يغلب عليها نزعة البارودي parody والباستيش pastiche. ومن ثمّ فقد تحول الحائط التاريخي المقدس “جدار برلين” كعلامة معمارية على صراع الأيديولوجيا إلى مزار سياحي، ومتحفي، يؤمه الناس لالتقاط صور تذكارية على خلفية الجدار الذي كُسّرتْ حجارته إلى قطع صغيرة يتبادلها الزوار على سبيل الهدايا التذكارية.
نفس الأحجار التي عانت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من لطخات جرافيكية لشعارات منددة بالأنظمة التوتالية، وقصص وصور مأساوية عن الانفلات والعبور من الشمولية إلى الليبرالية -وأيضا كنقطة مكانية لتبادل الجواسيس السريين- تلك الحكايات المروية التي انتهى مصيرها فيما بعد إلى الحفظ على شرائط سيلولويد/ ماجنتك/ ديجيتال رقمي، لتُبث عبْر المحطات الإخبارية في الذكرى السنوية لسقوط جدار برلين، والتي لن تتذكر الأجيال اللاحقة عنه شيئا سوى “صورته” كمرجعية وحيدة مكتفية بنفسها، تشير إلى الحدث التاريخي، لكن دون يقين جازم بأنه قد حدث بالفعل. وقد أصبحت صورة الجدار بالنسبة إليها هي الأصل لواقع غير موجود، أو على الأقل تمت إزاحته إلى الخلفية المعتمة للتاريخ. بالإضافة إلى ظهور ملامح بدأت تُشَكّل المشهد السينمائي الجديد بطبيعته وأفكاره الشعبوية، مثل استحضار واستنساخ أساليب مختلفة تولدت عن شيوع استخدام الكاميرات الصغيرة الجماهيرية، والتي اختزلت المراحل المعقدة لإنتاج المرئي مثل كاميرات “DVcam/ Hi 8”، ثم من بعد ذلك الهواتف النقالة، ليحل مع تلك المعدات الفردي محل المؤسسي، والزر محل النظرية.
فلم يعد الفرد في حاجة إلى الإلمام بمعرفة قواعد التصوير الفوتوغرافي/ السينمائي لالتقاط صورة للعالم من حوله، أو اللجوء إلى وسطاء من التقنيين والخبراء في المعالجات الكيميائية لتحميض وإظهار وطبع الشرائط التي التقطها لنفسه وهو يمارس حياته، فقد أرادت له الشركات الكبرى العابرة للقارات بمعاملها الاحترافية المتخصصة في صناعة الكاميرات والعدسات ومعدات الإضاءة أن يكون بمقدور كل “فرد” أن يُحوّل أتفه الأفعال في صيرورة حياته اليومية إلى لحظات خالدة، ومؤرشفة داخل جهاز حاسوبه الشخصي، يستطيع عرضها على منصات التواصل الاجتماعي ليسجل لجمهرة المشاهدين حضورا افتراضيا بمنظور لا زمني: يأكل/ يقضي حاجته/ يمارس الجنس/ يمشط شعره/ يداعب كلبه. أي أن يكون هو نفسه (الصانع/ المؤدي/ المتفرج) داخل إطار فني يعرض في النهاية عملية ذات مراوحات نرجسيّة تتسمُ بنزوع شرجي في التمحور حول الذات، وتحويل الفضلات المستهلكة “الزمن المحذوف من حيز الوعي” واللحظات المهمشة من خلايا الذاكرة -والتي لا تحفل بها أشكال الدراما في قديمها وحديثها- إلى مادة قابلة للعرض على جمهور كوني عبر الفضاءات الافتراضية، ومن ثم تحتل في المكانة نفس الأهمية التي تحتلها صور وثائقية مفزعة ملتقطة لأحداث كونية مؤثرة مثل زلزال تسونامي المأساوى، أو المجازر البشرية التي تخلفها الحروب وراءها “صور الضحايا وأشلائهم الممزقة”.
تلك الأدوات والمعدات الخفيفة والصغيرة الحجم التي تتسم بجودة عالية الوضوح من الناحية التقنية في التقاط الصور وتسجيل الأصوات قد خلقت لنفسها تراثا بصريا له طابع جماهيري صنعه amateurs بهوس فتشي في استعراض ذواتهم على الشاشات، واكتناز الحياة الخفيّة والسِّرية للآخرين، وجعل الحياة الخاصة تبدو أمام العامة مشاعا كعرض فني لا تحده شروط تقنية أو لغوية .
هذه الأدوات انتقلت -فيما بعد- من حيز استخدام الهواة لها، إلى حقل العمل الاحترافي، جالبة معها تراثها الجمالي الذي كيفته الحدود التقنية والفروق بين أنواع الكاميرات المختلفة، كما في حال جماعة “الدوجما” التي استخلصت جمالياتها الدرامية والبصرية من شغف الناس بمراقبة وتصوير الآخرين، دونما اهتمام كبير بالاقتراب، وحيث تجتمع كافة العناصر المتلازمة للاستخدام التقني من حيث: “التكنيك المرتجل بتخطيطه السريع الخشن/ الإِدراك العابِر غير المكترث بموضوع التصوير/ حركة الكاميرا المهتزّة النهمة إلى تسجيل كل شيء/ التشوش البصري”.
تلك النقلة التكنولوجية التي قلبت موازين الفن السينمائي رأسا على عقب منذ انطلاقة أفلام الموجة الجديدة في فرنسا في نهايات الخمسينيات من القرن الماضي. وحيث تحوّلت مقولة السينمائي والمنظّر الفرنسي “الكسندر استروك” في منتصف الخمسينيات: “الكاميرا/ قلم”: أي أن تكون الكاميرا أداة للكتابة والوعي في يد السينمائي، مثل القلم في يد الكاتب والشاعر، أو كما حلم المنظر الجمالي الفرنسي “بمراوحة الصورة التي يبتدعها المخرج لشطرة القصيدة التي يبتدعها الشاعر” إلى الكاميرا كأداة للمراقبة في نهاية الألفية الثانية. فلا أحد بقادر أن يظل بمنأى عن مصيدة “الصور” والتباساتها الغامضة، والتي تحل نفسها الآن بقوة محل “الواقع” الحقيقي.
وإذا كانت الإشكالية الجمالية التي ظلت هي المبحث الأوّل لفن السينما منذ نشأته: “صورة الواقع وكيفية تمثيله عبر شاشة”، فإن الإشكالية المهيمنة الآن -وبعد أن أقصت الصورة عالم الواقع في تناسخاتها المروِّعة عن بعضها البعض- فليست بين الواقع “كمعطى أولي”، وبين الشاشة “كإعادة تمثيل له”، وإنما في تمثيل الصور لبعضها البعض.
فما يحدث اليوم من ثورة تكنولوجية ورقمية لاهثة، مع تضخم عوالم الماس ميديا بشكل لا مثيل له من قبل، وشيوع النزعة الاستهلاكية المدمرة بصورة مخيفة، لم تكتف بقلب الأمور المعتادة فحسب، لكنها ابتدعت فضاءات نصّية تطرح عددًا من الأسئلة على الصعيد الجمالي والفلسفي تجاه تأثر آليات السرد السينمائي والفضاء الفيلمي وتفاعلهما مع التيارات المختلفة التي تشكل عالمنا الآن . عبر هذا المنوال يبدو فيلم “ماركو سيمون بوتشيوني” كحيز من الصور مضغوط لأقصى درجة ممكنة داخل الشريط الذاكري لبطله “أمبيرو/المخبر الخاص” حيث يبدأ وينتهي الفيلم في اللحظات القليلة التي يلفظ فيها أنفاسه الأخيرة، بعد أن تصدمه سيارة، حيث يدور الفيلم بأكمله داخل رأس رجل يخطو خطواته الأخيرة نحو الموت. وهو يروي حياته أو ما الذي كان يبحث عنه طيلة حياته؟. ولكن المفارقة الأساسية التي يُبنَى عليها النص الفيلمي وبناؤه السردي تكمن في أن الصور المعروضة أمامنا لا تُستحضر كماضٍ مستعادٍ في ذاكرة الراوي، لكنها تُعرض بوصفها حاضرا أبديًّا يعايشه الراوي في تلك الثواني التي تتزامن مع موته النهائي.
فنحن نرى حياته، وعمله كمخبر خاص وقد أصابه الملل والقنوط من عمله كمراقب يقف دائما على حافة الحياة المؤطرة بحدود مهنته، حيث يكلفه أعز أصدقائه القدامى “فرانشيسكو” -الذي اختفي من عالم أسرته بعد أن قام بإجراء عملية تحويل جنسي إلى امرأة- بالعثور على ابنه الهارب “ديفيد” وحمايته، ولكن سرعان ما يكشف “أمبيرو” أن الابن المراهق يعيش حياة غير مألوفة، فهو يحيا مع أصدقائه المشردين كجماعات، معتنقا الأفكار المثالية المناهضة للعولمة، ومؤسسات المجتمع الرأسمالي الحديث، حيث يعيشون كقبيلة داخل أحد المباني لمصنع مهدم بمدينة تورينو، وقد تورط المراهق في جريمة قتل أحد الحراس أثناء هجومهم على معمل بيوتكنولوجى. يحاول أمبيرو الاقتراب من المراهق وقد بدأ يشعر بحب غامض وخفي تجاهه، فيساعده على الانسلاخ عن الجماعة والهرب معه، وتدريجيا تنشأ بينهما صداقة عميقة، بين مخبر عاش طيلة حياته كظل باهت للآخرين، كما أنه يفتقد داخله مشاعر الأبوة، وابن يعيش هائما على وجهه ويشعر بالإنجراح الوجودي لفقده الأب.
يتجاوز المخبر إطاره الوظيفي إلى إطاره الوجودي حيث يتبادل مع المراهق طوال الرحلة مشاعر الأبوة والبنوة، فيحكى أحدهما للآخر عن تجاربه وآلامه، كما ينقذ أحدهما الآخر من موت مؤكد. عند هذه النقطة يبدأ المخبر الخاص باسترجاع علاقته بأم “ديفيد” والتي كانت عشيقته في فترة سابقة من حياته قبل أن تتزوج “فرانشيسكو”، مفكرًا أنه ربما يكون المراهق هو ابنه بالفعل، وليس ابن صديقه الذي هجر عائلته وهويته، حيث يظل الشك يؤرقه حتى اللحظات الأخيرة من الفيلم. عندما ينجح “ديفيد” في التسلل إلى الحديقة وتحرير الحيوانات من أسوارها، وهو العمل الذي ظل يحلم به ويتمناه، أن يرى الحيوانات طليقة في المدينة وسط السيارات المارقة، بينما المخبر والمراهق يجريان معها في فرح عارم بحريتهما الداخلية، في نفس اللحظة التي تصدم إحدى السيارات المارة “أمبيرو” ليغلق عينيه على صورة المراهق الذي تمنى داخله أن يكون ابنه الحقيقي.
“ما الذي تبحث عنه” بقدر ما هو عنوان لفيلم، فهو سؤال عميق فلسفي، ينسحب على كافة شخصياته التي تهجر أُطرها الزائفة لتبحث عن أُطر أخرى لوجودها. إنه عالم من التحولات الضدية، “الأب الذي يتحول جنسيا لامرأة/ الابن الذي يهجر مستقبله المرسوم لينشق عن المجتمع ليجد نفسه سجينا داخل قبيلة/ المخبر الذي يتجاوز إطاره كمراقب إلى إطاره كرجل يبحث عن أبوة غائبة/ الأم التي تهجر أمبيرو لتتزوج فرانشيسكو”.
إلا أن العنوان ينسحب أيضا وبقوة على الفيلم ذاته كفضاء جمالي، وعلى الفن السينمائي برمته في بحثه المنفتح القلق عن مستقبله الجمالي الحيوي.
فالفيلم فريد في وفرة الأشكال والمقاسات الفيلمية المصور بها في مقاطع كاملة متداخلة في السرد “سيلولويد 35Mm/Super 8/ دي.في.كام/ ديجيتال بيتا/H.D”وحيث تختلط الشرائط الضوئية بشرائط الفيديو الرقمي بشرائط منتجة خصيصا لعمل الهواة .
وكما تتداخل المقاسات والفئات للشرائط المصورة تختلط أيضا الأنواع الدرامية المكوِّنة للسرد وبنيته المتشظية القائمة على التحطيم الأسلوبى، فهو يبدأ من حيث النوع كفيلم أسود “filmnoir” على طريقة فيلم “النوم العميق BigSleep” للمخرج الأمريكى “هيوارد هوكس”.مستعيرا نمط أفلام التحري، وهي إحدى الثيمات الشهيرة في تراث السينما الأمريكية في عصرها الذهبى في ثلاثينيات القرن الماضى، والتي تدور حول حياة وعمل “المخبر الخاص Detective” والتي اشتُهر بأدائها الممثل الأمريكي “همفري بوجارت”. لكن السرد لا يلبث أن يتحول إلى نوع آخر وهو أفلام الرحلات والطرق “Road Movies”، لكنه ينتهي إلى دراما وجودية عن الصداقة بين رجل في منتصف العمر وشاب في مقتبل حياته.
وكما تختلط الأنواع الدرامية والشرائط التصويرية داخل الفيلم، فإن المخرج يعمد أيضا إلى الجمع بين أساليب سينمائية متنافرة خالقا حراكا من التوتر الجمالي، ومن ثمَّ فإنه يحيل الفيلم إلى شكل منفتح أكثر منه نمطا سينمائيا قابلا للتماهي والتوحد معه، والإنفعال بشخصياته الدرامية من قبل المشاهد، الذي يظل يقظا طوال العرض، متنقلا بين نتف من الأنواع التصويرية، وبين نتف من الأساليب المتنوعة التي ضمت قصدا إلى بعضها البعض.
يقول “ماركو بوتشيوني” معقبا على فيلمه: “لقد أردتُ أن أُظهر هذه الشخصيات لأنهم يمثلون جزءا من الشباب الإيطالي الرافض للعولمة، واحتلال التكنولوجيا والطغيان والتوحش المادي، فمعظم الشباب يرفض هذا النمط من الحياة، ويبحث عن طريقة جديدة ليستمتع فيها، لذا نجد مشاهد العنف التي تعبر عن هذا الرفض. وما ظهر في الفيلم واقع حقيقي، فبعض الشباب يحتلون أماكن مهجورة لعمل شيء خارج عن المألوف. فهم يبحثون عن قيم أخرى في إطار المجموعة، ويعيشون منغلقين جدا كأنهم قبيلة، وكان هذا أصعب شيء واجهنا أثناء التصوير، لأنهم يرفضون النظم والقوانين ويحاولون البحث عن حياة روحية بعيدا عن الكاثوليكية أو الأديان المتعارف عليها. لقد أردت أن يكون المتلقي في حالة بحث دائم فلا توجد نقطة ثابتة لدينا، وأعتقد أن ما قدمته يمثل التفكير العصري الإنساني” .
يشكل فيلم “ماركو بوتشيوني” حالة خاصة في رؤاه الكاشفة للإنسان المعاصر، وفي تزامن الانجراح “الجمالي/ الوجودي” كقدر لا مفر منه في عالم اليوم، حيث أزمة إنسان “المابعد”، والتي ليس مبعثها الاغتراب والانفصال كما في أفلام “انطونيوني” في نهاية الخمسينيات من القرن الماضى، بقدر ما هي تكمن في التعايش بين جماع الإمكانيات المتاحة بكل زيفها وتناقضاتها ونحن نحيا الألفية الثالثة بعد ميلاد المسيح المُخلِّص.
الهوامش
• ماركو سيمون بوتشيوني (ولد في روما، حيث نال في عام 1989 شهادته الجامعية في العمارة، ثم حصل في عام 1992 على درجة الماجستير في الإخراج السينمائي من معهد كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. شارك ضمن خمسين مخرجا إيطاليا في سلسلة من الأفلام القصيرة والتسجيلية المعنية بمشاكل المهجرين والتفرقة العنصرية بعنوان “التعصب”. وقد أسهم المشروع في تمويل برنامج تعليم العمال المهاجرين إلى إيطاليا. في عام 2001 حقق فيلمه الروائي الأول “ما الذي تبحث عنه” نجاحا، حيث حاز في العام 2003 جائزة “ديفيد دي دوناتيللو” التي تمنحها الأكاديمية الإيطالية للسينما.
• لمشاهدة الفيلم: العنوان الأصلي بالإيطالية “quello che cerchi” إنتاج عام 2001/ الزمن: 99 دقيقة/ النوع: فيلم تحرٍّ- درامي/ سيناريو وإخراج: Marco Simon Puccioni