صدْمةُ البِدايات
محنةُ المخيِّلةِ
أيّ الطّرق تسلُكُ
في البَحث عن الكنز الخبيءِ بين الكَلِمات.
كيف سيكونُ الهواءُ وهو يلفحُ جسدَكَ لأوّل مرّة؟
كيف سيكونُ الرأسُ وهو يغورُ في الماضي؟
كيف سيكون ذلك التصدُّع العذْبُ وهو يخلخلُ كيانَك بغموضِ الخُطوة الأولى؟
الخُطوة الأولى
في نظري هي الأكثرُ خطورةً فيْ تاريخِ الإنسان.
إنّها اللَّحظةُ التي تختزلُ كلَّ شيءٍ باتِّجاه اللاشيء.
هكذا كانوا يتحدّّثون إلى أجنّّة الغُيومِ الطَّالعة من خلفِ جبالٍ عصيَّة، كانوا يتحدّثون أيضًا إلى نخيْلِهم وأشجارِهم بأعمارِها المُختلفة، من جيلِ الفَسَائلِ، الشَّابَّة الفتيَّة، وحتى الهَرِمَة التي تتمايَلُ مع الرِّيحِ بتعبِ السِّنين المُتقادِمَة في عُمُرِها المديدِ حتّى توشِكُ على السُّقوط، يتحدّثون إلى تلك الكينونات المُفعَمة بالجَمَالِ ومَنَافعِ الحَياة كما يتحدّثون إلى أطفالِهِم وأفرادِ عائلاتِهم وأقرانِهم في القريةِ الغَارقةِ في الأقاصي والنِّسيان، كأنَّما تلك المخلوقاتُ من بشرٍ وحيوانٍ ونباتٍ وجمادٍ مُؤلّفةٌ قلوبُهم بروحِ تفاهُمٍ وإصغاءٍ مُتبادلٍ لا يعكّر صفو أيامِه ولياليه إلا الضَّغائنُ والأحقادُ التي توارثُوها كما توارثوا حُبَّ الأرض، يُصغون إلى تَسبِيحها في الصَّباح حين يبدأون الحرثَ والبِذار، تلك الأحقادُ التي تنفجرُ بالبلدة وتُفضِي إلى سفْكِ دماءٍ وحُروب.
على مدارِ السَّنوات..
برؤُوسِها النَّابتة في الصَّخر،
أشجارًا تُغالب حتْفهَا في الرّيح.
علينا أن نقتحمَ الأمْكنة والمَفازات..
كي نفوزَ بلمسةِ إشراقة..
كأشباحِ موجٍ مُتطايِرٍ في الظُّلمة..
أو كعصفورٍ يسكنُ القلب منذُ الأزل..
لكنّه دائمُ الطيران.
لا نكادُ نعبُرُ المحيطَ بقواربِنا الشراعيّة..
والصحراءَ بالجِمال التي أعْطَبها
قيظُ المسافةِ، إلا وتتلقَّفُنا الضفافُ الأولى
بنهمٍ جارِف.
هل ما زالت الأمْكنة الأولى، أمكنةَ الطُّفولة، دوافعَ جذْبٍ وحنين؟ هل ما زال ذلك النبعُ الذي تنهلُ منه مخيّلةُ الكتابة، بؤرة الأماكنِ في تشظّيْهَا وتعدّدها، مرجعَ الذَّاكرة في رحلتها الشاقّة بين المُدن الغريبةِ والنّاس الغُرباء.
أم كفّت عن أن تكونَ كذلك، وأحكمَ التيهُ والانخلاعُ قبضتَه الأزليَّة ؟
اندلقتْ مياهُ العالم
في جوفي
فشربتُها دمعةً.. دمعةً
ومضيت.
تعرفُهم واحدًا.. واحدًا
كلعنةٍ لا شفاء منها،
كأمجادٍ لا اسم لها.
لقد جاؤوا من البيتِ المُجاورِ لأحلامِك،
باحثين عن صدرٍ أكثرَ رأفةً من المَعرفة
وفي الظِّلال الكبيرة لفجرٍ مُدلهمّ،
يغيبُ الجميعُ
عدا ضحكة واحدة.
دخلتُ تيهَ هذا العالم
قاذفًا بذخيرةِ الأيّام في قعرِ جهنّم
شاحذًا أعضائي بشفرة صُنعت
من غياب.
وكطفلٍ يلعبُ دائمًا بخسارة،
لم أنتظرْ شيئًا كثيرًا من أشباهي
لم أنتظر أيّ شيء
عدا ضجيج النَّوافذ والأبواب
تنفتح وتنغلقُ جانب رأسي
ببراءة العواصف الرَّاحلة من غير اتجاه.
لكنّي موجودٌ وغير موجود
أعرف أني مكللٌ بالفراغ،
سيرةٌ لا تنقصُها التفاصيل
وعليك أن تحفر في قلبها
بمحراثٍ كي تسكبَ
دمعةً واحدة
أو تحصلَ على اعتراف.
لم نعدْ نُصغي لصِياحِ الدِّيكةِ
أو نَجلبَ السَّمكَ من السَّاحل
لم يعُد ثمَّة فجرٌ تلعبينَ بريشِهِ
على حافّة البِئرِ
البئرُ الذي ودعتني منه لأول
مرّة منذ سبعةَ عشرَ عامًا
[لا تغبْ عنّا كثيرًا] خطوةٌ واحدة فجّرت فلك
الأميال،
واسترسلت في هذيان المجرّات.
أمشيْ أحسُّ أنّ تحت قدمي
سماءً تضطربُ بكامِلِ ضحايَاهَا
وفوق رأسي أرضٌ توقّفتْ عن
الدَّوران،
أسمعُ رعدَ خطواتٍ ورَائِي
خطوات أشخاصٍ قادِمين
من الماضي
صَامِتين كأنّما على رؤوسِهمُ
الطَّير.
أيُّها المَاضي تَرَاجعْ قليلًا
كي نُكمِلَ نُزهةَ اليوم.
حاوَلَ أن يعصر عظامَهَ في قصيدةٍ
حاول أن يدفَعَ لياليَه المُوحشة إلى المِقصلة.
لا يُمكِنُه النومُ، لا يمكنه الكتابة
لا يمكنه اليَقَظة.
أشباحُه تتقدّمُ إلى الغُرفة
وتتمدّدُ على السّريرٍ.
صقورٌ ترعى في عينيه بمسرّةٍ
قريةٌ بكاملها ترتجفُ في أحشائِهِ
وجد نفسه جنديًّا في حُرُوبٍ لا علاقة له بها
وجد نفسه مايسترو لجيشٍ من المتسكِّعين.
وربّما لم يجدْ شيئًا، عدا رمادِ أيّامه
المُقبِلة
وحين أيقنَ أن لا فائدة حَملَ بندقيَّتَه
وبرصاصةٍ واحدةٍ سقط الفضاء
صريعًا في الغابة.
في الليلِ اللانهائيّ بنجومِهِ وهدوئِهِ الصّاخِبِ وخيالاتِهِ الجّامِحَةِ، تحْدُوني رغبةُ الكلامِ مع مخلوقاتٍ خرافيِّة لا أثرَ لها على الأرض، أثيريَّة هائمةٍ كما تَهيمُ الأرواحُ حول بارئِهَا في سِدرة المُنتهى، والنيازكُ في ثقوبِ الفضاءِ بين أشجار الكواكب العملاقة.
رغبةٌ نزِقَةٌ مجنونةٌ تقتلعُ العاصفةَ من أسرّتها النائمة في قاعِ المُحيطات وتقذِفُ بها إلى الأرض المُلتهبة، لتحلَّ روحي بعد ذلك في حجرٍ بركانيٍّ تقاذفتْهُ العصور بين أحذيتها المَعدنيَّةِ الصَدِئَة؛ ليبقى الشاهدُ الأخير على هول هذه المهزلة الأرضية التي نعيش.
مشدودًا إلى وتدِ الذِّكريات
كما ينشدّ الكبشُ إلى خيّته
والحصانُ إلى صَهيل أنثاه
أمام المُحيط الهادِر
لتهدأ روحُه من الهياج.
أحدّق في الجنباتِ الضاجّة بقلْبِي
فأرى أشباحَ الغائِبين
تسبحُ في عَدَمِها الخاصّ.
أفلاكٌ تقودُ بعضَهَا
كراعٍ يقذفُ قطيعَهَ نحوَ الهَاوِيَة.
البشرُ غالبًا ما يكونونَ جميلين في غيابِهم، والعلاقاتُ التي تنحلّ إلى ذهب الغروب لوقائع مُمْعنةٍ في الغياب.
كنّا في الليل
ننفضُ المدينةَ كسجَّادةٍ قذِرَة
وفي الصَّباحِ نقطِفُ زهر اليَاسَمِين
هديَّةً لحبيبةٍ مُحتملة .
أيّتُها الأرضُ، السّبِخة العاقر.
كيف ينبتُ في أحشَائِكِ عُشبٌ، حتى لو زرعتْه بيدِهَا الآلهة؟
أيتُها الموسيقى، أيّتُها الجِبال، جمالُك الذي لا ينضب.
في الصباحات المُفعَمة بسقوطِ النَّيازك ونعيقِ الغِربان
والحرارة المُحتشدة كنذيرِ بُركان.
تطوفُين بنا الأزمنة
كأنَّك الوصيُّ الوحيدُ
على عرش الأبديّة.
أنا الشّديدُ الإيمان بما تقولين
الشّديدُ الكفرَ بما يقولُه غيرُك
أنا الأكثرُ عنادًا من نابليون.
تسافرين إلى بلدانٍ لم تصلْهَا أوهامُ الطَّير
وتتركينني أفترسُ أرصفةَ العَالم
بحثًا عن إشْرَاقةِ لمسة.
يُغلقُ عينيه ويتذكَّر:
(( كم أنتِ نقيّة وجميلةٌ
لأنّك لم تعودي موجودة، غبارُ الموتِ
عراك حتّى من الرُّوح))
ينزل السلَّمَ أكثرَ، تُحرِقُه نسْمةٌ قادِمَة
من دِمشق، يَجلسُ على طاولة عشاءٍ
ربّما بمدريد، مِئات المَدعوِّينَ يَسألون
عن أخْبَارِه، وعن طَبِيعَةِ الطّقس هُناك.
بحَّارةٌ يَلعبون النَّردَ في شَواطئِ زِنجبَار
ومن البَعِيد يَرى شُعُوبًا تَتَقاطَرُ
عبر الصحراء، بحثًا عن رَغِيف
ويرى أمَّه ممددةً على سريرٍ أبيض.
طحالبُ سوداء وما يشبه نباحَ كلاب
يُغلقُ عينيه
لا يتذكّرُ شيئًا.
أتذكّرُه بجوارِ أحدِ أحْفادِه في أيَّامِهِ الأخِيْرةِ، كان يُداعبه .. أتذكّر تلك اللّمسةَ الغريْبَة التي لا أستطيع وصفهَا بلمسةِ المَلاك أم حنانِ الذِّئبِ نحو صغارِهِ، من فرْطِ سريَّتِها وطقوسيَّتها فكأنما يدُ الشَّيخ أرادت أن تودِّعَ شيئًا خفيًّا وخطيرًا، قطرةَ الحياةِ الأخيرة، خُلاصةِ المِحنِ التي لا تبرحُ مخيِّلة الطِّفل في سنواتِه اللاحِقة.
لم نفكر في شيء لم يفكّر فيه الأقدمون؛ عدا أنّ حركةَ الطائرِ لا تُشبه نفسَهَا في كلِّ مرّةٍ يطير.
كيف لم تُلقِ الحياة بثقلها فيَتَراجعون
كيف لم تُلقِ الذّاكرة بظلِّها
فيذهبونَ للانتظار؟
كان البحرُ هادئًا
والطقسُ أروعَ ما يكون
أكملوا القصيدة بالغياب
تركوا الموسيقى مفتوحةً
لتُرشِدَ أرواحَ الموتى
تركوا لوحاتٍ لأصدقاءَ ماتوا في الحرب
وأحجارًا بحريةً
جلبوها في ليلةٍ عاصفة.
مشرقٌ نهارُك هذا اليوم وأنت تمْضِي إلى مجهولك اليوميّ من غير أن تفكّر في شيءٍ حتى ولا محطة تصل إليها أقدامُك..
الطرق تُشبِه بعضَهَا حتى تَخالُها طريقًا واحدًا من غيرِ نِهاية، والأشجارُ أفْرغتْ حُمُولتَها الأخيرةَ من الدَّمع، ربّما تذكرتْ أوّلَ مسافرٍ مرَّ عليها، أوَّلَ طائرٍ حطَّ على غُصنِها عبر رحلته الطويلة .
الشجرةُ العاريةُ أمامي.
كم من الفُصُولِ مرَّ عليها، كم من خريفٍ
يسكنُ أحلامَهَا في هذه اللحظة؟
هذا الصمتُ
الذي يلفُّ الغَابَةَ
كما تلفُّ الأمُّ رضيعَهَا
هذا الحنانُ الكاسرُ للصَّحراءِ المُتدفِّقَة خضرةً
سِرُّ الكَينونةِ الغضّ
لهذا الفراغِ النَّاطِق.
كان ينظُرُ في المِرآةِ
يحدِّقُ في وجهِهِ بعيدًا، بعيدًا،
في كهوف المرآةِ
حتى رأى طيورًا مذعورةً
تقطع ممرّات مائيّة عاصِفَة،
باحثةً عن ملاذ.
كأنّما جاءوا من آخر العُمُر
أوله ضاعَ في الضجيج.
كأنّما جاؤوا من آخر الدنيا
يتبعون نجومًا نَزَفتْ آخِرَ قطرةِ ضوء
وجبالًا تشيخُ في عرِينِهَا الأزمنة.
كان التذكّرُ
جسرَهم الوَحيد نحو المحَاق.
فى بداية السبعينيَّاتِ حين نزلَ القاهِرةَ ليلًا وذَهَبَ ليسكُنَ فى حيِّ الدّقي المُتاخم لحيِّ بولاق الدكرور، سَمع صفيرًا يُشبه النّحيب حسبه في أوّل الأمر صفيرَ بواخرَ راسيةٍ في عرض البَحر؛ لكن حين انجلى ليلُ القاهرة عن بداياتِ الصّباح ذهبَ إلى مصدر صوت الصفير ليُشاهدَ تلك القوافلَ الحديديّة العَابرَة السِّكك والقُضبان. وحين عَرِف أن هذا الماردَ الخُرافيّ اسمه (قطار) ذَهَب ليفتِّش عن أصل كلمة قطار؛ فوجَدَ أنّ العرب كانت تسمّي الناقة الطليعيّة في القافلة (القاطرة).
لاحقا ينفجرُ مشهدُ القطاراتِ على مصراعيْه واقعًا وكتابة.
يصلُ المترحّل إلى نوعٍ من الوضوحِ الكاسِرِ، ذاك الذي يَحمِلُ شَفافية اليأس وقوّةَ انكسار الأمل: لم يعد للتجوال في خرائط الجغرافيا حلمُ كشفٍ وإشراق، لا للرحيل ولا للعودة، لا للوطن ولا للمنفى. تهشّمتْ في مخيّلتِهِ ووجدانِهِ هذه الثُنائيَّات لتحلَّ محلَّها خارطةُ متناقضاتٍ داخليَّة متموِّجةٍ بجمالٍ وقسوة خاصين. هذه الخارطةُ، بستانُ الدّاخل، هي التي يُحاول تعهُّدَهَا بالسّقي والرِّعاية عبر خيارات جماليَّة يرتئيها.
في هذه الحالة تتحوّلُ خرائطُ الخّارجِ بسَرابَاتِهَا وحقائِقِها إن وجدت، إلى امتدادِ أرومةٍ جماليَّة، لبُستانِ الدَّاخل بسراباته وحقائقه التي ربّما تتجلَّى ولو كإشراقاتٍ عابرةٍ كنوعٍ من تسْويةٍ ممكنةٍ مع وجود صَعبٍ وعمرٍ هَارب.
لا ندينُ لأحدٍ بشيء
عدا أرجُلِنا الثَّكلى
بالمسافات.
أنا الآنَ في نشوةِ الحُلُم بقصيدةٍ أو امرأة، رغم كوابِيسِ البارحة. علينا أن نُلغي كلَّ العقُود، تلك التي وقعناها في غياب الحلم كما يقول «بروتون».
كلُّ كاتبٍ يحاولُ دومًا الإبحارَ في هذه الظُلمات المُحتدمة بالهوامّ والكوابيس في قلب الكائنِ وأعماقه، يحاولُ استقصاء تلك الانحرافات والأخطاء المريعة التي تجتاحُ البشرَ أفرادًا وجماعات، تجْتاحُ الدَّواخلَ والخَفايا، تجتاحُ الرُّوحَ المُبتلاةَ والمُعذَّبَة بجرثومةِ الشرِّ والعُدوان، رُغمَ كلِّ ذلك التَّاريخِ الطّويلِ من محاولاتِ الإِصلاحِ والهِداية (والتنوير).
ذلك التّاريخُ الذي يتقاطر أبطالُه وشخوصُه ومريدُوه تباعًا منذُ بدايةِ الوعيِ البشريِّ على هذه الأرض، زمنًا بعد آخر، محاولين ترويض ذلك الوحش الكامن في خفايا وتضاعيف النفوسِ والذوات، لكنّه لا يزداد إلا ضراوة واندفاعًا وهَمجيَّةً.
عليك أن تبيع أمتعة بيتِك،
لتحصُل على قهوة الصّباح .
[أيّ بيتٍ كان عندك؟] عدا حذاءٍ ممزَّق يُفركش ليلَ
المدن
وأسمالٍ ورثتَها من صديقِكَ الميِّت
تذكر [وهل يمكنُك أن تنسى؟] كيفَ كنتَ مُلاحقًا بفزَّاعَةِ الفَقْرِ والفريسيّين وبناتِ آوى
في القاهرة ودمشق. في بيروت
والجزائر وصوفيا وباريس.. إلخ
تذكر كلَّ شيءٍ بسطوعِ الوِلادة
بوضوحِ السّرطان المتجوّلِ بين
الأنهارِ كسائحٍ مأخوذٍ بمضاربِ
البدو.
ها قد وصلْنَا إلى آخرِ الأرضِ،
مُبعثرينَ أوراقَنَا في الرّيح
المُسافرُ ينتحبُ تحتَ قدمِ الصَّحراء
والذكرياتُ طواها النسيان
حدث ذلك بفظاعةٍ تُشبه
ولادةَ ديناصورٍ في ساحل
مضروبٍ بالزلازل
ولا رجعة بعد اليوم.
تخلطين الصّباحات مع بعضها
وتؤجّلين النّزهات
ربما لغدٍ لا يأتي
أنت القادمةُ من جهةٍ مشطورةٍ
بالغضب
تخلعين خرابَك فوقَ رأسي
وأجد ذلك عذبًا
تجزّين عُشبة الرّاعي وتطعمينَها
لثعالبِ الرِّيح
كلماتُك التي تطاردُ فجرًا في سُهُوبٍ
بعيدةٍ، في سُهوبٍ مليئةٍ بنعاسِ
الذِّئاب.
أحاولُ أن أكتبَ عنكِ
لكنّ الدموعَ تسبِقُنِي إلى
نهاياتِ الكلام
فأرتدُّ مُرتطِمًا بهديرِ كوْكبٍ يَهذي
بحنينِ أوْديةٍ جافَّة
أحاولُ أن أكتبَ لكنّ الدُّموعَ تَسبقُني
حاملةً معَهَا الجذورَ والمَنَافي
ولهاثَ الطُّرقات
أحاول أن أمتطي عربةً من أنين
الغَرقى
كي أتبيَّن شبَحَكِ البعيد.
كيف اخترقَتكَ الأحلامُ
بغدرِ المسافة
ورحلتَ باكرًا
كملاكٍ بعينينِ جريحتَيْن
كيف تركتَنَا على هذا النَّحو
جثّةً تحدِّق فيها نُسُورٌ هرِمَةٌ
تحت شمسٍ خَاوِية.
نعم أنا مشتاق إليكِ
حين المساء يمدُّ يدَه المُثْقَلة
بالأساورِ والدِّماء
حين القَتَلة والسماسرةُ يتجوّلون
طلقاءَ
كعشّاقٍ مرِحِين
حين الكآبةُ تُرخي سُدولَها
كخوفِ النَّابِغةِ
أو ليلِ امرئِ القيس.
أنا الذي تشرّد في تخوم البِلاد والقارّات
أوصلُ اللّيالي بِنهاراتِها
سنينَ ضوئيّة
من غير بيتٍ ولا دَليل
لاهثًا فوقَ جسورٍ من جُثثٍ وانْهِيارات
أنا الذي
خبِرَ البِلاد
بِمرَارَةِ المهزومين
في معركةِ الأحْلام
لم تعُدْ لِي طاقةُ الصّبر والانتِظار
غادرتْنِي إرادةُ المُحارِب
في مُنازَلَةِ المَسَافة والغِياب
دثِّريْنِي يا حبي
وأغرِقِيني
في أغْوارِك الطّحلبيّة.
تحوم الفراشاتُ على غير هدى
عطشى
إلى لقاءِ الأطفال
الأطفال الذين حلموا بالفراشات
فناموا على رفيفِ الأجْنحةِ الغضّةِ
والألوان.
أيّها الجبلُ الأخضرُ
يا جبلَ الكور وجبلَ شمس
ويا جبالَ ظفارَ الشّمّاء
التي تتناسلُ في أحشائِها النُّمور
أيتُها الجبالُ العُمانية
توائم الأحقاب
وقرّة عينِ الأزليّة
منذ أزمانٍ وأزمان
ونحن نصعدُ إليك
لكننا لا نصل.
ذلك الغضبُ الذي ينتابُنا في أوقاتِ فراغ ما؛ تلك القوّةُ الهادرةُ في الأعماق. ما يُشبه انتقامًا لا واعيًا من مبدأ الكينونة نفسه. ربما هو الذي أشعلَ حروبَ العالم.
أي حكمة لا نعرفها؟
تعرف أنه سؤالٌ ساذج
مثل سذاجاتٍ أخرى نحبها.
لكن ما تعرفه جيّدًا
أن صحراءك ممتدَّةٌ عبر جبالٍ الكونِ بأجمعه.
ملِكة أولى
مستبدّة وعاتية.
لا أتذكّر صديقًا
إلا ويسبقني إليه تاريخُ الخيانة
لا أتذكَّر عدوًّا
إلا وأرى فيه مستقبلَ البشر
كلُّ عاصفةٍ تقتلعُ جذورَهَا في النّهاية.
دوامةٌ من الأعاصيرِ هي حياتُك
وأنت فيها غريقٌ ضاحك.
يَتَماثلون للشِّفاء
أولئك الذين طالتْ بهم سِكّة الرَّحيل.
لم أكنْ قَبيحةً ولا جَميٍلَة. لا خيّرة ولا شرّيرة
وليستْ لي علاقةٌ بنَسَبِ المقاييس
كنتُ يتيمة الدهر؟ صرخة بحّارٍ تائه.
لذلك لم أرَ الأشياء والعالَمَ
إلا بعيونِ جوارِحِي وحدها.
كلُّ تلكَ الأوقات التي صرفناها بالتّفكير في الموت. كلُّ تلك الارتجافاتِ والهَوَاجِس، وهو لم ينفق لحظةً في التفكير فينا. وحين يأتي بصواعِقِه المُباغتةِ. ليس ثمَّة مجالٌ للتّفكير. ليس ثمَّة كائنٌ أصلًا .
أيُّ نبع لا يطوله الجفاف مقذوفٌ في عرينِكَ أيُّها الفناء؟
يعود الراحلون إلى ديارهم الأولى، لتعميقِ خرائبِ الرُّوحِ والزَوَغانِ في المنازِلِ المهجورةِ التي تخلعُ مفاصِلَها الريح.
في كل بلدٍ عشتُ فيه أو رحلتُ إليه، لا أجدُ أيّ اندفاعٍ عندي تجاهَ قاطنِيه الأصليّين ومواطنِيه، وإنّما وبشكل تلقائيٍّ نحو مغتربِيهِ ووافدِيه. شجرةُ الاغترابِ الراسخِة التي رضعنَا حليبَهَا باكرًا .
هذا الوجْهُ أين رأيته، أين صادفته
في مهبِّ أحوالي ومُعتركِ مدائِني:
في الحُلمِ أو اليقظةِ، في الشَّرق أو الغِرب
بأيّ سَاحةٍ أو مدينةٍ وزقاق.
في الدُّخانِ المُتصاعِد من حناجرِ الغرقى،
في المتوسّط وبحر إيجة، كازنتزاكي،
يتنزّه بين عظام الإغريق، في البحر الميِّت
أو البحرِ الشّمالي حيث القراصنةُ بلِحَاهم
الصفراء تتطايرُ في البَرد والضّباب .
هذا الوجه الموؤود في قعرٍ غرائزيّ
في ظلامٍ ذاكرتي.
وجه أمّي الذي لا أجرؤ على النّظر إليه كأنّما أهرُبُ من جنّتي المُستحِيلة، الذَّابِلَة حتّى التَّلاشي، جنّةٌ لم تكُن لأحدٍ غيري قبل أن يتصرَّم حبلُها.
وجه أبي، وجه المرأة التي أصبحت مجهولةً لا عنوان لها، وجه الوجوه، إسورة الفيضان؛ ليل المدينة الذي ظلامه من وجوهٍ تتدفَّقُ من الجهاتِ كلِّها، من النَّوافذِ المُضاءةِ والمُغلقة، من الحَدائقِ والخَرائبِ والحَانات، تنخلُ الجسدَ الوحِيدَ على الأريكةِ التي طالَهَا البِلَى وعبثتْ بِها رياحُ الصَّحراء.
الوجوه حين تنفجرُ هكذا، دفعةً واحدةً فاتحةً جدولَ النَّحيب.
من غيرِ كلمةٍ ولا تلويحةِ وَدَاع
يختفيْ المشهدُ بكامِله
كأنّما ابتلعتْه الأرض
أو اختطفتْهُ عنقاءُ الجِبَال
وبِما يُشبه هَذيانَ النَّائم
وسطَ تَهاويلِ السُّفوح
تَطوي الحَياةُ موجَتَها
تحتَ قَدمِ التِّيه.
في فَمِك غُصنُ الانتقام
في يدك أيقونةُ السَّكينة
امنحيْهم بعضَ حنَانِك
قطرةً من بحر الشَّفقة .
هؤلاء أبناؤك
قادِمُون من أرصفةِ الطُّوفان
من أزمنةِ البَغْضاءِ والعَشَائر
عُشّاقُك منذ القدم
جارتْ عليهم صروفُ الدَّهر
وطائرُ الشُّؤم
أفقسَ بيوضَه في السلالة.
في أيِّ جهةٍ ستمضيْ هذا المساء؟
وبأيّ الآلاء ستقسِمُ على عُمرٍ هَارب؟
صباحٌ أحلُم فيه بكتابةِ قصيدة
(لا تنسف العالم لكنّها تُزيحُ قليلًا
صخرةَ الحنين)
قصيدة تَأكل نفسَهَا بمرايا جبالٍ غسقيَّة
البحرُ الذي حاول تعميْدَها
فاستنفرتْ أثرَ الوحشِ في الصحراء
وفتكتْ بأسحارِها الظُّنون.
انظرِي إليْه يَا إيفا
إلى عينيهِ الحزينتين كوريثٍ مُحتَمل
تدورانِ في محجريْهمَا طلقة غاضِبة
إلى عُزلته حتّى وهو في السّرب
انظري إليه يا إيفا
كيف يحلّق فوقَ سقفِ المَدينة-
التي هجرتها الأيائِلُ والآلهة
مدينة الصّبر والطّاعة
مدينة النّدم،
منجم الكَرَاهية-
محمولًا على بساطٍ أصفرَ
من قيءِ البراكين
وزَبَد الجَوَائح .
الضلالةُ لا تجدُ في الاستقامةِ
إلا ضلالةً أخرى
ستُمطرُهَا بوابلِ اللَّعنات
ولا تجِدُ هديَهَا إلا في مَنَارةٍ عَمياء
في قعرِ بحرٍ مُظلِم:
كذلك الباحثُ عن الحقِيْقة
لنْ يجِدَ إلا دُخانَ الأزْمِنَة
تحت القَدَمِ العَابرة.
أيّها الفَجر، الفجرُ المندلِع كحريقٍ
أمامَ نافِذتي
أرجعْ لي ودائعَ طُفُولتي
لقد سرقتها مني
أنا توأم البحر والغروب.
يدٌ وحيدةٌ تلوّحُ في البعيد
وحيدةٌ من غير مسافرين
ولا أرصفة أو قطارات
يدٌ وحيدة جاثِمةٌ بوحشَتِها
تلوّحُ في ليلِ الأجداث
وحيدةٌ في غيمٍها الجريح
يدُ الشَّاعِر أو القُرصان
أو بائع اليَانصيب
ووَحيدة تحتفِي بقُدُومِ الغَرْقَى
من مُحيطِ الهِند
أو البَحرِ العَرَبي
محمُولينَ على محفّة طائر
يدٌ نحيلةٌ في غَسَقِها الاستوائي
تحلُمُ باجتيازِ المضيق
بالنّهد
والفاكهةِ ومُلامسةِ الرَّعد
يدُ الغرباء الذين قدمُوا من بلادٍ مَجهولة
وطَفِقوا يسْرِدون الحِكايات
يدُ اليَأس والنَّدم
والمَحبَّة
تلوّح في البَعِيد
نحو جزرٍ مُستحيلة
ومدائن، لم يبق من أرومتها
غير طعمِ الغِياب
تمنَحُني مساءاتها الثقيلة ووجوهها
وتمنحني قهوة الصباح .
يد الهذيانِ الذي تجرفُني وِديانُه
كلَّ ليلة على أبوابِ الربع الخالي .
منْ يُوقف هذا الهَيَجان في الأعْمَاق
آهٍ، لو صوتُك صوتُك فقط
خفقةُ نسيمِهِ تصِلُني عبرَ المَسَافة
نسيمُ البُحيرةِ المَسحورَة
التي غرقتُ فيها أخيرًا
خفقة الجائع المُتعب.
لهدأتْ عواصِفِي قُرب الضفاف.
جاؤوا من بعيد
يحيّونك بالنّرجس والأقْحُوان
أنت الغربيةُ المُرتجفة بسَعَادةٍ غَامضة كنخلة
يحرّكُها نسيمٌ في صحراء،
المغوليّة العينين
الهجينة بالرِّيبة والسُلالة
تردّين التحيّة بأحسن منها
تمتمة رَاعشة في الشِّفاه
الخجلُ الذي يتوارى من غير حِجاب
والصّمتُ المُزهر في أحداقك
كما تزهر أشجار
في غابة.
يا لأيّامي ووحدتي
أقولها صراحةً
من غير مواربةٍ ولا كِناية
لأنّ هذه الأسوار والكوابيس
العاتية ستنجز لا شك، مهامّهَا
الضّارية في أعْماقِي
ولأنّ كلْبَ الطفولةِ كفّ عن النُّباح
خلفَ تلك السُّهوبِ اللَّامعة من الحلْفاء.
البارحة افترقنا
هكذا من غيرِ وداع
ولا دمعةِ يكبها نيزكٌ بعيد
هكذا
دائما
على مُفترَقِ طُرُقٍ وأزمنة
ربّما الالتفاتة الثَّكلى لأيّلٍ جريح
بين المحطّات التي تُشبه ساحةَ حرب
رأيتُها تحلّق في الأفق
وحيدة هي أيضا
من غير شَفَاعةٍ ولا آلهة
لا تنظُر إلى شيء.
كانت زائغةً وجميلة
الجمال الشّاحب في موْقدِ الغِياب
سحنة البُداة في نارٍ ليلهم
الغيْمة التي يشطرُها برقُ
العاصفة.
بعد ساعاتِ رجوعي
من بلادِها البعيدة
كانت أوّل زوّار ليلي
رأيتُها ترتّبُ آنيةَ الزُّهور
وتلهجُ بأسماء أشجارٍ لا أعرِفها
تقول: إنَّ بيتَك موحشٌ وكَئِيب
وبحاجةٍ إلى حديقةٍ تحدُّ من فيضِ الصَّحراء.
رأيتُها تصلّي بين أطفالِها الكثيرين
وتنْهاهُم عن هوايةِ قتلِ العَصَافِير
هي التي أبادتْ مُدُنًا كامِلة
من غير رفّة جفن
وأماتت الأفعى التي لسعتها
كانتْ في الصّلاة
كما في محطة القطار
شاحبةً
في ضوء شموعِها الرّاحلة.
باليدِ الوَحيدة العزْلاء
اليدِ المضرّجةِ بصرخةِ الذِّئب
أخلعُ الأبوابَ
بابًا بابًا
سلّمةً سلّمةً.
صُراخِي ما زالَ مُزهرًا
تحت سقفِ الصَّباحات.
لم تستطعْ مدينتُكم أن تَخنقه.
صُراخي الذي بنيتُ العُشبَ
على صقيِعهِ
النّاهب الأعمى لميراثِ السُّكون.
صراخُ الرُّعاة حين يجفلُ القَطيع
أمامَ حيوانٍ كاسِر
صراخُ القدّيسين والأبالِسة
على حافَّة القيامة.
حملتْه من مدينة إلى أخرى
مثلما تحمل الأم رضيعَها
والعشيرة نبتَ السلالة.
كأنّك التميمةُ المُوثقةُ على عُنقِ الأرضِ
النأمةُ الأخيرة .
في مساءاتك المأهولة بالحُور العِين
وعلى مقرُبة من بحر عُمان
تسّاقط شُهُبٌ وحيتان
حيث كنّا نصطادُ الأهلّة
ونشتاقُ للرجوع:
إنه الفضاء يقرعُ صنوجَه في
صوتك الغَريب.
يخاطب أشباحه
ملائكة العتمة
يتعهد لها بالوَفاءِ والمحبّة
والعيشِ المُشترك.
أنفصل عمّن أحب
وأنا في ذروة هذا الحُب
في ذروة اشتباكي بالبِحارِ والمُدُن والأصدقاء
بالنّهد والحدِيقة
والمقهى
بالفرج الذي ينبتُ على حوافّه عشبُ الخُلود.
لأنّ الغِيابَ الذي سيحتلُّ المكانَ بقفزةِ نمر
والذي يصحبنا على هيئةِ الملاكِ الحارس
جلادُ اللّحظة
ناطورُ الثُّكنات،
أحاول ترويضَه باجتراحِهِ
بالإِقامةِ في حناياه
الغيابُ الذي لا يقيم.
لم أمضِ
في طريقِ ضوءٍ ولا ظُلمة
ولا جهلٍ أو معرفة
لم أمضِ في طريق
وحدَها القدمُ
قادتْنِي إلى خارج الثُّكنة.
كان عليَّ أن أكتُبَ
عن الصَّباحاتِ التي تسيلُ على الوَجنتين
عن الخَلاخيلِ الفضيَّة والرؤى والأساوِر
إكسسواراتك المفضلة
عن الموت الذي شيّد أبراجه عاليًا
من اللّمسة الحانية
والرّغبة المُحتدِمة بين عشيقين.
نحن الذين وُجدنا فيك
صغارًا
وكبُرنا بعيدًا عن رعاية الأبديّة
نحن الذين تسلّـقنا حواريكِ باحثين
بين مقابرك الألف، عن فجرٍ هربَ
من بين أصابعنا خِلسةً واختفى.
أما زلتَ موجودًا هنا؟
لقد طالت إقامتك هذا العام.
أعرف أنّك تحاولَ الكتابة عنّي
وأنّك مولودٌ تحت ظِلالي الدّاكنة
وستموت كذلك
رغم كلِّ هذا الفراق
لن تهرُب من جوارِحي
التي لاحقتكَ أحلامُها في أماكنَ كثيرة.
جاؤوا من بلادٍ بعِيدة
عبرُوا بحارًا مُضطرِبةً وأراضيَ شعثاء
ألَّـفوا كُتبًا في علمِ الطَّبقات
والأرواحِ الصَّامِتة.
حاولوا واجتهدوا
تحت ظلالِ الأشْجَار البَاسِقة
أو في الليالي القَائِظة كالجَحيم،
لكنّهم جميعًا لم يَصِلُوا
إلى عرينِ الأسْرار
الذي تنهبُهُ العواصِفُ كلّ ليلة.
من أين يأتي هؤلاء الغُربَاء؟
يتدفّقون من كلِّ الجِهات
يقرعون الأرضَ بأحذيةٍ صدِئَة
على أفئِدتهم يربِضُ ميراثُ الجَفَاف.
من غيرِ أملٍ
وبكثيرٍ من الوَحْشَة.
الغرباءُ الذين ظنُّوا في سَالِفِ الأزْمان
أنّ لهم مكانًا على هذِهِ الأرْض.
لم يعُودوا يعرِفون العَالَم
لم يعُودوا يعرِفون أنفسَهم
إلا كقناعٍ في مِرآة.
الغرباء الجميلون.
الألمُ الذي يتحدّرُ من شِغافِ القلب
كما من منابتِ النَّهر البعيدة
الألمُ الذي يَسقي إنسانيّتنا
بمياهٍ متجدّدة
يخضّل أيامَنا بدموعِه العذْبة.
مَـن نلتقيهم في قرى طفولَتِنا البَعِيدة
نُقرِؤُهم السلامَ
والسُّؤال عن الأهلِ والأصْدِقاء
بالعِبارةِ المُرتَجِفَة على الشِّفاه
والجسدِ الذي يغرُب
عميقًا، عميقًا في الماضي
كأنما صُنعوا من أرومة الغِياب
إنهم أطيافُنا الغابرة.
لا أحد يقيس نبض الإعصار
لا أحد يستطيع
عدا صديقي الحكيم
الذي يحاول ترويض العاصفة
ويستيقظ في وحشة الليالي
لإسعاف الضحايا.
وجوه غارِقةٌ في وَحْلِها
جافّة وبليدة.
آه لو لَمسة
لمسةٌ واحدة منكِ
تُعيد المياهَ إلى عروقِ النّبع.
****
عشتَ غريبًا في قومِك
زاهدًا بما يقُولون ويفعلون
كفنّك المنذورِ للمستقبل
وربّما للنسيان.
اليرقةُ التي صارتْ فرَاشةً
فوقَ جدار السَّجين
كان يرقُبها
وعيناه على الحقول الفسِيْحَة.
نخْلةٌ مُستوحِشَة
على حافّةِ البَحر
تحدّق فيه بتوجّس وريبة
كأنّما قراصِنَةٌ سينقضُّون بعدَ قليلٍ
على جسْمِهَا الجَمِيل
نخلة وحِيدة
جمالها الخارق
صُنع من خوف وانتظار
جمالها الحزين.
بيدِك التي تحطّ
على القَفص الصدريِّ الضيِّق
على الرَّاحة والجَبين،
يتوسّع العَالم
وتنحلّ الغُيوم النديّة في هواءِ الغرفة
بيدك تستلّين الألمَ من رأسي
كطائرٍ يستلُّ سمكةً من جدولٍ عكِرٍ
سمكة الألمِ المعتُوهة.
أسبح وحيدًا
متشرِّدًا
في الأصقاع المُوحِشة
تغمُرني المياه المالِحة
أحلُمُ بالضِفافِ
كقُرصانٍ تعِب من التّجديف
وسطَ العاصفة.
أقتفي أثرَها
في صرخةِ الوَداع
بدموعِهَا الحرَّى
كجيشِ أطيافٍ يُلاحقني باستمرار
كنت في المطبخِ
في ذلك اليوم المُعتم من شهر آب
أرى البحرَ من نافِذتي
والسماءَ الزرقاءَ بحَيَواناتِها النَّائمة
أرى الوجوهَ تتلاشى دائمًا
باتِّجاه المغيب
حين انفجرَ ضوؤها
من قلبٍ تجرفه الأعاصيرُ والأشواق
حيّتني وتوارتْ
خلفَ غلالةٍ من ضَباب.
أجلس في مواجهة البحر
وحيدًا
تحفُّني مواكبُ المياه والسَّديم
يوم كان العالم
في طفولته الأولى
لا يعرف سكِّين الجزَّار
ولا انشطارَ الذرّة
ولا يعرفُ الطَّبقات
يوم كان حُلمًا في ذاكرة الغيب
وقدمًا من غير سقفٍ
ولا أزمنة.
المشيئة وحدَها
تجعل الطريق أقل هولًا
وتجعلنا نفكّر في نعشِ لا مرئيّ
يحمِلُه الدهر
وجنوده الأيام.
كان مجرّد الإحساس
بوجودكِ في هذا العالم
حتى لو كان ما يفصلنا
عددٌ من السنينِ الضوئيَّة
وأرخبيلات من المجازر والأنقاض،
كان كافيًا لشعوري بلمسة الملاك
الحانية
بالمركز وانبلاج الصَّباحِ العَاشقِ
بأريجِ الزَّهر وسطَ خرائبِ المُدُن.
لن تُمحلَ الأرضُ
لن يهربَ السَّحاب
لن يعمّ غضبُ الرّب
لأنّ الأرْضَ التي لامستْها
أناملكِ القدسيَّة
لن تهجرها البرَكة.
أيّتها المزدانة
بالحضورِ والغِياب
أنا الذي لا أجرؤُ على القَول
(بعد غيابكِ)
لأنني الآن امتلأتُ بنورك أكثرَ
بحُلُم اللقاء في تخومِ الأبديّة
لأنّ اللقاء هنا
كان مطعونًا
بثقل البشرِ وفظاظةِ المَكان.
في الأنفاقِ السَّحيقةِ
للألمِ الإنْساني،
أتجشّم المسيرَ ثانية
لعلّي أرى ما لا تراه عينُ الصُّوفيّ
أو السندباد
[لؤلؤة أو امرأة
أو فكرة] أو العدم الذي
تجرف وديانُه
الجميعَ لحظة
صحوٍ زائل.
سأنام وأتركُ كلَّ شيءٍ للرِّيح
النَّابحة أمامَ بابي
سأترُك القلمَ والسجائرَ والمنفضة
الملأى بفيالِقِ المَغولِ وهم
يغتصبون السبايا في
مُدنِ الذَّاكرة
سأنامُ وأتركُ كلَّ شيءٍ للرِّيح
والمطر الراعدِ وهو يقْرعُ نافذتي
طوالَ الليل ويتسلل إلى نومي
مثل كابوسٍ هائجٍ أو رحمةٍ إلهيةٍ.
ماذا يعنى هذا الصمت الذي ران بيننا؟
ثمّة رغبة سحيقة في الكلام
رغبة في القبلة
هذا الصراط الذي يفصلنا
هذه الهياكل المحطمة
هذه السفن التي تبحر بقراصنتها بيننا
ثمَّة رغبةٌ سحيقةٌ في الكلام
رغبة في القبلة.
البارحة
رأيتُـها تعبرُ المسافةَ
لا، لقد عبرتـها قبل ذلك بكثير
وتستقرّ في حضني
تُداعب شعرَ رأسي
والجسدَ المثخنَ بجراحِها ومائِها
رأيتُها ترتّبُ أيـّامي
كما ترتّبُ صمتَ الفاكهة وأثاث المنزل
تقفزُ من تلّة زمنيةٍ إلى أخرى
حتى تصلَ إلى يومٍ بعينه.
دائمًا مخطوفٌ بهيامكِ
أيتها الجبال المُتآخيةُ مثل أرواحٍ صُلبة
لا تفنى
ترمُقين العابرينَ من البشر
بنظرةٍ ملؤها الشفقة والسخرية.
منذ طفولتنا البعيدة.
التي تقاذفتها أحجارك الكريمة
وأنت تلامسين المغيب
بأروع مما يكون التوحّد بين حبيبين فرقتهما
أنواءٌ عاصفة.
لأنك المُضاءة بالعُزلة والمنفى
المجبولة بالغضب والأرق.
ولأنك تملُكين القدرةَ على الغفران
صليت لأجلهم
صليت في محراب ذاتك
مرتجفةً من فرط الندم والمحبّة
كأنك من أسلتِ الدِّماء
وارتكبت المجزرة.
سنواتكِ العشر الأولى
وصفها المختصّون بسنوات الضّياع
في اللجج البَعِيدة
لأنهم لا يعرفون عنها شيئًا.
وقفوا عاجزين أمام السرّ الأكثـر رهبة من معارفهم.
لكنّ الضياع قادك إلى المعرفة
فالطريقُ واضحة أمامك
رغم تلك الأزمان المتراكمة،
نحو رأس الحدّ
أو أقصى جزيرة في الصين
وهذا ما ينقص الإنسان الذي سيفتَرسك مع أوّل إطلالةٍ
بعد أن نجوتِ من ذئاب المحيطات.
تُزهرُ التناقضاتُ في سريرةِ الكائنِ وطواياه، جرفٌ تلطِم فيه الأمواجُ بعضها، مرْعَى وحوشٍ ضاريةٍ في قفرٍ. هكذا يولدُ الجمال والحب من براثن هذا العُمقِ الهَادر.
سيف الرحبي
*هذه المقتطفات جزءٌ من عمل أطول، قام بإنجازه أحمد سعيد.